لماذا تفشل الانتخابات اللبنانية في تغيير بنية النظام رغم تغيير القوانين؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا لم تغيّر الانتخابات النيابية بنية النظام في لبنان؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات-بيروت تقييمًا لحالة المنظومة الانتخابية في لبنان، مشيرًا إلى أن القوانين الانتخابية المتعاقبة نجحت في إعادة توزيع المقاعد النيابية، لكنها فشلت في إحداث تغيير جوهري في بنية السلطة السياسية. وأكد التقرير أن الانتخابات في عامي 2018 و2022 لم ترقَ إلى مستوى التطلعات، رغم التحول التاريخي إلى النظام النسبي بموجب القانون 44 الصادر عام 2017.
تحت عنوان "حين تتغير قواعد اللعبة ولا تتغير السلطة: لماذا لم تغيّر الانتخابات اللبنانية بنية النظام السياسي؟"، أوضح التقييم أن تشريع القوانين الانتخابية هو أداة سياسية مؤثرة، لكن لا يوجد نظام انتخابي أمثل يصلح لكل زمان ومكان. فالنصوص القانونية وحدها لا تكفي، والعملية الانتخابية تتشابك مع القيم والعادات والتقاليد والأنماط الاجتماعية.
تتبع التقييم المسار التاريخي للإصلاح الانتخابي في لبنان، مشيرًا إلى أنه كان دائمًا جزءًا من ملف الإصلاح السياسي الشامل. وتطرق إلى الستينيات والسبعينيات، حيث تبنت قوى مثل «الحركة الوطنية» و«الجبهة اللبنانية» مشاريع إصلاحية جذرية تضمنت إلغاء الطائفية السياسية، وجعل لبنان دائرة انتخابية واحدة، واعتماد التمثيل النسبي الكامل، وخفض سن الاقتراع، وتأمين مراكز اقتراع، وإنشاء لجنة قضائية مستقلة. لكن معظم هذه المطالب ظلت حبرًا على ورق.
فجوة عميقة بين النص القانوني والواقع السياسي
شهد لبنان بين عامي 1922 و2017 أحد عشر قانونًا انتخابيًا اعتمدت النظام الأكثري، قبل إقرار القانون 44/2017 الذي أدخل النظام النسبي مع آلية "الصوت التفضيلي". لكن التطبيق العملي في دورتي 2018 و2022 كشف عن فجوة عميقة بين النص القانوني والواقع السياسي. وعزا المركز العربي إفراغ الإصلاح من مضمونه إلى عدة عوامل، منها: الصوت التفضيلي الذي حوّل التنافس بين اللوائح إلى معارك داخل اللائحة الواحدة، وترسيم الدوائر (15 دائرة) الذي اعتبر استمرارًا لمنطق "الجيريماندرينغ" لضمان فوز النخب النافذة. كما رصد التقييم التعديات في الإعلام والإنفاق الانتخابيين، وتردد هيئة الإشراف على الانتخابات، والخلط بين العتبة والحاصل الانتخابيين الذي حول الحاصل إلى "عتبة إقصائية" حرمت القوى الناشئة من التمثيل. وأشار إلى التفاوت الرقمي الحاد في انتخابات 2022 وغياب المساواة في القيمة التمثيلية، حيث يصوت الناخب في دائرة "صيدا-جزين" لخمسة مقاعد، بينما يصوت في دائرة "الشوف-عاليه" لـ 13 مقعدًا، مما ضرب مبدأ المساواة الدستوري.
بالنسبة لـ "قوى التغيير" التي انبثقت عن حراك 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، فقد استفادت نظريًا من القانون لدخول البرلمان بـ 13 نائبًا (تقلصوا إلى 12)، لكنها تشرذمت إلى تكتلات صغيرة ومتنافسة، وبات بعضها يدور في فلك الأحزاب التقليدية.
الديمقراطية التوافقية
حلل التقييم البيئة السياسية الحاكمة، مؤكدًا أن النظام اللبناني يعتمد تاريخيًا على "الديمقراطية التوافقية" القائمة على الائتلاف الحاكم، والفيتو المتبادل، والنسبية الطائفية. وقد كرس اتفاق الطائف هذه المعادلة، خصوصًا في مقدمة الدستور والمادة 24 التي تقسم المقاعد مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
وشدد المركز العربي على أن الأحزاب اللبنانية، ذات الصبغة المذهبية والطائفية، تمارس ازدواجية سياسية؛ إذ تشارك في "حكومات الوحدة الوطنية" وتخوض الانتخابات من موقع المعارضة، مما أدى إلى انحلال الفاصل بين السلطة والمعارضة وتغلغل الزبائنية السياسية. وأوضح التقييم أن التحسينات الإجرائية في قوانين 2008 و2017 (كالصمت الانتخابي، الحبر السري، الصناديق الشفافة، وسقوف الإنفاق) لم توفر تكافؤ فرص حقيقيًّا في ظل تفوق الطرف المالك للنفوذ المالي والإعلامي وهيمنة السلطة.
ذكّر التقييم بإقرار مجلس النواب المنتخب عام 2022 تمديد ولايته سنتين إضافيتين (حتى عام 2028)، في سيناريو مشابه لما حدث عام 2009. وخلص إلى أن السيطرة المستمرة للقوى التقليدية تؤكد أن تغيير القانون الانتخابي بمفرده غير قادر على تعديل موازين القوى، لأن الانتخابات جزء من بنية منظومية أوسع، وتعديل النصوص دون المساس بالبيئة التي تنتج السلوك الانتخابي لا يُنتج سوى تغيير في توزيع المقاعد، لا في توزيع السلطة الحقيقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة