لبنان
سياسة

من ليموج إلى الإليزيه: هل يستغل اليمين المتطرف الغضب الفرنسي لتحقيق مكاسب انتخابية؟

النهار٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٤ ص0 مشاهدة
من ليموج إلى الإليزيه: هل يستغل اليمين المتطرف الغضب الفرنسي لتحقيق مكاسب انتخابية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من ليموج إلى الإليزيه... هل يحصد اليمين مكاسب الغضب الفرنسي؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

من احتراق بلدية ليموج إلى معركة قصر الإليزيه، تضع الاضطرابات التي تشهدها فرنسا اليمين المتطرف أمام فرصة سياسية سانحة. السؤال المطروح هو: كيف يستثمر هذا التيار الغضب الشعبي، وما هي حدود مكاسبه الانتخابية المحتملة؟

شهدت فرنسا خلال عطلة نهاية الأسبوع موجة من الاضطرابات العنيفة، تُعد من الأعنف منذ سنوات. تحولت احتجاجات بدأت على ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الأوضاع التعليمية إلى أعمال شغب طالت مباني حكومية، متاجر، ومعالم تاريخية. شارك أكثر من نصف مليون شخص في تظاهرات عمت البلاد، تخللتها مواجهات عنيفة مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب. أسفرت هذه الأحداث عن إصابة أكثر من 600 من عناصر الشرطة والإطفاء، واعتقال نحو 2400 شخص.

انقسم المشهد بين متظاهرين سلميين من طلاب ومعلمين ونقابيين طالبوا بتحسين ظروفهم المعيشية، ومجموعات ملثمة استغلت الاحتجاجات للاشتباك مع الشرطة وتنفيذ أعمال تخريب ونهب. في مدينة ليموج، أُضرمت النيران في مبنى البلدية التاريخي الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، مما أدى إلى انهيار برج الجرس وأجزاء واسعة من المبنى. وفي مرسيليا، اقتحم مثيرو الشغب مقر البلدية وأسقطوا تمثالاً نصفياً لـ"ماريان"، رمز الجمهورية الفرنسية. كما تعرضت متاجر فاخرة للنهب في باريس وبوردو.

تحمل مشاهد احتراق مباني البلديات دلالات سياسية تتجاوز حجم الخسائر المادية، فهي رموز للجمهورية الفرنسية. توفر هذه الصور مادة إضافية لخطاب القوميين، وعلى رأسهم زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، الذين يطالبون بإجراءات أمنية حازمة وسريعة. مع استمرار التوتر، فرضت السلطات حظر تجول ليلياً في منطقتين من باريس. رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة وزير الداخلية لوران نونيز، التي قدمها على خلفية الإخفاقات الأمنية، حيث أقر نونيز بفقدان السيطرة على بعض المدن خلال المواجهات.

قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، تحولت الاضطرابات إلى مواجهة سياسية مفتوحة. في خطاب متلفز، أدان ماكرون أعمال العنف وحذر من استغلال الفوضى لتحقيق مكاسب انتخابية، معتبراً أن من يدعون إلى الشوارع يسعون "للإضرار بالجمهورية واختطاف النقاش العام". اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف بتنظيم أعمال الشغب للتأثير في الانتخابات، ودخل في سجال مع زعيم حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون، الذي حمّل الحكومة مسؤولية تفاقم الأزمة.

وسط هذا الانقسام، برزت مارين لوبن، التي تتصدر استطلاعات نيات التصويت للجولة الأولى، مستثمرةً مشاهد العنف لانتقاد السلطة بشدة. كانت استطلاعات قد أظهرت تحسناً في موقعها الانتخابي بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية. اتهمت لوبن ماكرون بالعجز عن حماية البلاد، معتبرة أن اليسار المتطرف أسهم في تأجيج الفوضى. في خطاب مصور، استحضرت مشهد احتراق بلدية ليموج، قائلة: "لقد رأيتم كيف جرى تدنيس أكثر رموز جمهوريتنا قدسية". اعتبرت أن "المطالب الاجتماعية المشروعة" اختطفها اليسار المتطرف وخطاب جان لوك ميلانشون، متهمة إياهم بتشجيع الفوضى عبر "إضفاء الشرعية على العنف".

مكاسب انتخابية وحدودها

يرى المحلل الجيوسياسي ميشال فياض أن "هذه الأحداث تعزز موضوعياً فرص حزب التجمع الوطني ومارين لوبن في الانتخابات الرئاسية عام 2027". فالاحتجاجات، بحسب فياض، انطلقت من مطالب اجتماعية حقيقية، لكن انزلاق جزء منها إلى أعمال عنف خطيرة "يخلق مناخاً من انعدام الأمن والشعور بفقدان السيطرة، ما يؤثر في الرأي العام". ويعتبر أن لوبن "أحسنت توظيف هذه القضية سياسياً"، عبر إدانة مثيري الشغب واليسار المتطرف، وتسليط الضوء على عجز الحكومة عن احتواء الاضطرابات. تركيزها على استعادة النظام ومحاسبة المخربين ودعم قوات الأمن يعزز خطابها الانتخابي، خصوصاً أنها تتصدر أصلاً استطلاعات نيات التصويت في الجولة الأولى. غير أن فياض يشدد على أن ذلك "لا يضمن وصولها إلى قصر الإليزيه"، إذ ستبقى نتائج الجولة الثانية مرتبطة بطبيعة المواجهة بين المرشحين وانتقال أصوات الناخبين. ويستحضر تجارب تاريخية فرنسية غالباً ما عززت فيها موجات الاضطرابات حظوظ المرشحين الذين يعدون بإعادة فرض النظام، محذراً من أن عجز السلطة عن تهدئة الأوضاع بصورة مستدامة قبل الربيع المقبل سيجعل المكاسب السياسية للوبن أكثر وضوحاً.

الهجرة والهوية وتعبئة الشارع

من جهته، يعتبر الباحث والمحاضر في القانون بجامعة السوربون مارك مرقص أن أعمال الشغب التي ترافق الاحتجاجات، بمشاركة مجموعات راديكالية وفئات شعبية مهمشة، قد تترك أثراً كبيراً في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً مع سهولة ربط مشاهد العنف بقضايا الهجرة والاندماج. ويربط مرقص هذه التوترات بإخفاق الدولة الفرنسية في معالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمهاجرين، ما ساهم، بحسب تقديره، في نشوء مجتمعات شبه مغلقة، وعمّق أزمة الهوية والتوترات داخل المجتمع الفرنسي، ووفر أرضية لتصاعد الخطابات المتطرفة. في قراءته، تخدم الاضطرابات اليمين المتطرف، وفي مقدمته حزب "التجمع الوطني"، الذي يقدم نفسه مدافعاً عن الأمن وسلطة القانون. لكنها تخدم أيضاً اليسار المتطرف، الساعي إلى الظهور بمظهر المدافع عن الفئات المهمشة. ويلفت مرقص إلى بُعد آخر لهذه التحركات، يتصل باستعراض القدرة على تعبئة الشارع، وإيصال رسالة سياسية بشأن إمكان تحريك مجموعات واسعة في مواجهات مستقبلية. ويحذر من أن تكرار الاحتجاجات العنيفة سيترك أثراً كبيراً في خيارات الناخبين. ويتساءل: "إذا كان بالإمكان حشد هذه المجموعات وإثارة كل هذا العنف بسبب مطالب محدودة، مثل تغيير أساتذة أو تحسين مرافق مدرسية، إلى حد إحراق بلدية تاريخية، فماذا يمكن أن يحدث عند طرح قضايا سياسية أكبر وأكثر حساسية؟"

شارك الخبر: