كورنيش عين المريسة: حيث تتراقص الذكريات مع أمواج البحر وضحكات الحياة


هذا الخبر بعنوان "كورنيش عين لمريسة «بنقضيها ضحك وهمس، حتى تغيب علينا الشمس...» من أغنية للمطربة طروب" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على كورنيش عين المريسة، تبدأ الأيام بنغمات البحر المتجددة، وكأننا في لقاء دائم مع أمواجه الهادئة. هذا المكان الساحر يدعونا لاستقبال صباحنا بنشاط وحيوية، تاركين وراءنا أعباء الحياة وهمومها، ولو لوقت قصير. هنا، تمتزج ذكريات الطفولة الغنية بتفاصيل الحاضر، ليخلق المكان سحراً لا يزول مهما طالت المسافات أو غابت الوجوه. لكل مغترب قصة يحملها في قلبه، ولكل مقيم صفحة من يومياته يخط فيها تفاصيل صباحه، بين مشهد بسيط كحركة العصافير بين أشجار البلح، ومشهد واسع كالنوارس البيضاء التي ترسو على أطراف الصخور، مستلهمةً من زرقة البحر لوحات فنية فريدة.
على هذا الكورنيش، تتلاقى مشاعر الحب والصداقة، وتتبادل الوجوه الابتسامات، بينما تشاركنا السماء حكايات الطائرات العابرة. نتابعها بأعيننا، ونلوّح لها كأننا نعلن للعالم: نحن هنا، في هذا الوطن الصامد، الذي رغم ما يعانيه من حروب وجراح، لا يزال ينبض بالحياة. وفي لحظات الشوق، يتساءل القلب بلهفة: هل تروننا من فوق؟ هل تذكروننا؟ وهل ستعودون يوماً؟
هنا، تقفز إلى الذاكرة صورة سمر، الطفلة التي عرفت شوارع بيروت أكثر من دفء منزلها. عادت بعد الحرب لتواصل مسيرتها مع الحياة، تحمل تعب الليل والنهار، تجمع قوتها اليومي، ثم تلجأ إلى ظل أشجار البلح لقيلولة قصيرة، تحلم فيها بيوم يمنحها الأمان الذي حرمت منه. ربما كان كورنيش عين المريسة وجذع إحدى نخلاته ملاذاً آمناً لسمر، وبيتاً مؤقتاً احتضنها حين عجزت الجدران عن منحها الدفء. فليس كل بيت جدراناً وسقفاً، وليس كل مأوى مكاناً للنوم؛ أحياناً، تكفي شجرة في مكان نحبه لنشعر بأن لنا في هذا العالم زاوية خاصة.
النهار يختلف عن الليل، والشمس لا تلتقي بالقمر. أما على الكورنيش، فتتلاقى الحكايات والوجوه والأسرار. هنا، نلقي إلى البحر ما يضيق به صدرنا، ونراقب الأمواج وهي تحمل كلماتنا بعيداً، كأنها تعرف كيف تحفظ ما نعجز عن البوح به. هنا، نتحرر من قيودنا، فنكتب حكاية، أو نؤلف لحناً، أو نستعيد شريطاً من حياتنا. ومن الصعب أن نعبر هذا المكان دون أن نلتقي وجهاً مألوفاً، أو نتبادل تحية مع شخص لا نعرفه. فالكورنيش ليس مجرد ممر بمحاذاة البحر، بل مساحة تجمع الناس على اختلاف حكاياتهم، وتمنحهم شعوراً بالانتماء إلى شيء أكبر من يومهم العابر. ومهما مرت السنوات، ستبقى الكلمات واللقاءات وضحكات الأطفال محفورة في ذاكرة المقاعد، وستظل الأمواج شاهدة على قصص قيلت، وأخرى بقيت حبيسة القلوب.
في الليل، لا ينام كورنيش عين المريسة. فسهرته أطول من تعب نهاره، وللمكان في العتمة حكايات أخرى لا يعرفها إلا من أصغى لصمت البحر. أتأمل أشجار البلح العالية، فألمح غراباً أسود ينقر حبّات البلح الناضجة. أركض مع صديقتي، ونتسابق بفرح طفولي: من ستلتقط حبّة البلح الأولى؟ وحين نصل إلى أسفل الشجرة، نفاجأ بكثرة الحبّات المتساقطة. نجمعها ونأكلها ببساطة وفرح، كما اعتدنا أن نأكل ثمار أشجار الضيعة. وهناك، تحت النخلة، نجد سمر تبتسم لنا، تشاركنا حبّات البلح، وكأنها عثرت على كنز ثمين. في تلك اللحظة، لم تعد حبّات البلح مجرد ثمار؛ بل صارت فرحاً صغيراً نتقاسمه، وذكرى تجمعنا، وجسراً خفياً بين طفولتين، لكل منهما حكايتها. هكذا علّمتنا عين المريسة أن الجمال يختبئ في حبّة بلح، أو ابتسامة عابرة، أو تحت ظل نخلة، أو في لقاء بسيط يترك في القلب أثراً لا يمحى. ولعل أجمل ما يمنحنا إياه هذا الكورنيش هو قدرته على جمعنا من جديد، مهما فرّقتنا المسافات. فهنا، تحت أشجار البلح، وُلد سرٌّ صغيرٌ من أسرار الطفولة، يهمس لي كلما عدتُ إلى المكان: ستبقى أشجار البلح سرّنا الجميل في كورنيش عين المريسة.
منوعات
منوعات
اقتصاد
منوعات