تنويه
هذا الخبر بعنوان "عباس بيضون: من ملحمة البطولة إلى شِعرية الحقيقة في زمن الحرب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رحلة عباس بيضون الشعرية، تتشابك الدروب مع الأسئلة العميقة، لا لتطمئن الواقع بل لكشف ما يعصى على الفهم في زمن الحرب. ديوانه الأخير "الطرق تعود معنا" يتجاوز وصف مسالك الحرب ليغوص في حقيقتها، مستعيداً ما خلفته من خراب وسؤال عالمي يجعل الحرب ممكنة. الطريق عند بيضون ليس مجرد وسيلة، بل هو ما يتشكل من تعثر الدروب، رابطاً بين عنوان الديوان وشعريته، حيث لا تنتهي التجربة بالمكان، والشعر لا يكتفي بآثار الحرب بل يجعلها طريقاً لمساءلة الحقيقة.
على مر التاريخ، من هوميروس إلى الفردوسي، ارتبط الشعر بالحرب، مانحاً إياها لغة بطولية ومجدّاً. لكن عباس بيضون، في ديوانه، يغير المنظور؛ فالحرب ليست مشروع بطولة بل حقيقة تُنتزع من لغاتها المسبقة. لا يكتب بيضون من مركز المعركة، بل من هوامشها المتناثرة: البيوت المفقودة معناها، الشوارع التي تستقبل الناجين، والذاكرة التي تحمل آثار الحرب. يتجلى هذا في مفهوم "الفن السلبي" لأدورنو، حيث لا يصالح الشعر العالم مع صورته، بل يكشف تناقضه وخرابه دون تزييف.
الحرب عند بيضون لا تقتصر على لحظة العنف، بل تمتد إلى اللغة والذاكرة والمكان. في قصيدة "المعركة"، يتحول الأمر إلى مجرد أداء لصورة الحرب، والبطولة إلى تجربة جسدية عارية. وفي "شبان الصور"، تصبح الرؤية مراقبة لا تنقذ، وتتحول السماء إلى عين تلاحق. يتجلى هذا الانقلاب في دلالة المكان في قصيدة "الخطر في السقف"، حيث يصبح المأوى مصدراً للموت، وتدمر الحرب المعاني التي تجعل البيت بيتاً.
قصائد مثل "يرحلون في أماكنهم" و"بلد أبي" و"بيت أبي" و"الجنوب" و"آخر يوم" و"البيوت"، تبرز أن الرحيل والبقاء لا يعنيان بالضرورة النجاة من آثار الحرب. حتى الشجرة المكسورة في قصيدة "البيوت" تصبح شاهداً على تاريخ لا تسجله الروايات الرسمية. "الطرق تعود معنا" لأنها ليست مجرد مسالك جغرافية، بل هي آثار حركة وذاكرة يحملها الإنسان معه، فتنتقل الحرب إلى علاقته بالأشياء ورؤيته للعالم.
الشعر عند بيضون لا يواجه الحرب بلغة مضادة، بل يفتح شقوقاً في اللغة لتظهر الحقيقة، حتى لو كانت عصية على الاكتمال. إنه يؤرخ للأثر، لا لتسلسل الوقائع، ويكشف ما تسقطه الروايات الكبرى. لا ينتصر الشعر على الحرب، لكنه ينتزع منها حق احتكار الحقيقة، وينقذ ما تتركه البطولة خارج صورتها: الإنسان في ضعفه، والمكان في خرابه، والعالم في انكشافه المأسوي. الشعر لا يجعل الفاجعة جميلة، بل يعيد إلى العالم ما حاول العنف محوه، مصغياً إلى ما خلّفه الحدث من خراب.
أخبار ذات صلة
رياضةملاكمة غزة: فتيات فلسطينيات يستأنفن التدريب في خيمة رغم دمار الحرب
ثقافةجورج خباز: مهرجان الجونة منصة عالمية للتواصل السينمائي ونافذة على الإبداع
سياسةالعماد عون يؤكد للبطريرك يازجي: الحرب لا تنتهي إلا بالحوار والدمار هو مصيرها المستمر
سياسة
