لبنان من الانحدار إلى الازدهار: هل يعود إلى سابق عهده؟


هذا الخبر بعنوان "كيف يعود لبنان من الأصفر إلى الأخضر؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحليل معمق حول مسار لبنان بعد اتفاق الطائف، مستعرضاً التحديات التي تواجه سيادته، ودور حزب الله، وأهمية الإصلاح السياسي لتحقيق الاستقرار والازدهار الوطني. تبرز صورة للاحتجاجات الشعبية اللبنانية ضد نظام المحاصصة والفساد كخلفية لهذا التحليل.
في ذاكرة جيلنا، كان لبنان اسماً مرادفاً للحياة والتقدم. قصدناه للعلم والطبابة والسياحة، واعتمدنا على دور نشره وصحافته التي كانت تتسع لما تعجز عنه عواصم عربية أخرى. لُقّب بـ "سويسرا الشرق"، تقديراً لمساحته الصغيرة وحضوره الواسع. تميز بجماله الطبيعي، من جباله الخضراء إلى سواحله المفتوحة، وبمهارات أبنائه التي امتدت إلى مصر والخليج والعالم. لم تكن ثروته تكمن في باطن الأرض، بل في عقول أبنائه وفي مساحة الحرية المتاحة لهم.
السؤال المطروح اليوم هو: كيف يعود هذا لبنان من "الأصفر" إلى "الأخضر"؟ يُقصد بـ "الأصفر" راية حزب سعى لتوسيع سلطته على حساب الدولة، بينما يرمز "الأخضر" إلى حياة اللبنانيين جميعاً. لا يتعلق الأمر هنا بالطوائف، فالشيعة شركاء أصيلون في لبنان، وهم من أكثر المتضررين من الحروب التي تتخذ من بلداتهم ساحات لها. تكمن المشكلة في مشروع سياسي يربط مصير الوطن بمرجعية خارج حدوده، ويُلزم مواطنيه بدفع ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.
تحلّ الذكرى السابعة والثلاثون لاتفاق الطائف في الثاني والعشرين من أكتوبر، لتذكرنا بمحاولة عربية جادة لإنقاذ لبنان. استضافت المملكة العربية السعودية هذا التوافق الذي فتح الباب لإنهاء الحرب الأهلية ووضع أساس لاستعادة الدولة. لم يكن الاتفاق حلاً سحرياً، لكنه أعاد ترسيخ فكرة أن لبنان وطن نهائي لأبنائه، وأن خلافاتهم تُحلّ داخل مؤسسات مشتركة، وأن السلاح يجب أن يخضع لسلطة شرعية واحدة. ومع ذلك، استغلت بعض القوى من الطائف ما يخدم مصالحها في توزيع المواقع، وتخلت عما يبني الدولة. ترسخت المحاصصة، وتعثر الإصلاح، وبقي سلاح حزب الله خارج الاحتكار الشرعي للقوة. تحول الاستثناء إلى قاعدة، ثم أصبح صاحبه يشارك في الحكومة ويحتفظ خارجها بقرار الحرب.
يُعد هذا التناقض أحد مفاتيح المأساة: دولة تتحمل المسؤولية أمام العالم، وحزب يملك القدرة على تفجير الظروف التي تجعل من المستحيل على الدولة أداء مسؤوليتها. يقف وراء ذلك ارتباط عقائدي وسياسي بنظام ولاية الفقيه في إيران. لبنان المتعدد، الذي ازدهر بتبادل الأفكار والانفتاح، زُجّ في مشروع يضع الولاء للمرشد فوق مقتضيات الشراكة الوطنية. وسُوّق هذا المشروع تحت عنوان "المقاومة"، ليصبح في نتائجه مقاومة لشروط التقدم والاستقرار والعلم والحكمة. لا تُقاس وطنية السلاح بطول بقائه، بل بما يحققه للناس من أمن، وما يحفظه للبلد من أرض وسيادة. والنتيجة أمامنا: آلاف القتلى، وعشرات الآلاف من الجرحى، وقرى مدمرة، ونزوح، وأراضٍ لبنانية تحت الاحتلال الإسرائيلي.
إسرائيل مسؤولة عن عدوانها وتدميرها، ولا يُعفيها من ذلك خطأ حزب أو مغامرته. لكن إدانة إسرائيل لا تُعفي من استدرج وطنه إلى حروب إقليمية من المحاسبة. حماية لبنان تتطلب رفض العدوان ورفض مصادرة قراره معاً، دون استخدام أحد الموقفين ستاراً لإسكات الآخر. ولا يصحّ تحميل الحزب وحده كل الفساد الذي عرفه لبنان. فقد بددت طبقة سياسية واسعة الموارد، وحمت المحسوبيات، وأضعفت المؤسسات. غير أن الإصلاح يصبح أشد صعوبة عندما تحرس قوة مسلحة اختلال الموازين.
يحتاج لبنان إلى استكمال اتفاق الطائف: حصر السلاح بالدولة، وتفعيل المحاسبة، وإصلاح الإدارة والقضاء، وتنفيذ اللامركزية ضمن وحدة البلد، وفتح الطريق التدريجي للخروج من الطائفية السياسية. عودة "الأخضر" تبدأ من طمأنة المواطن إلى أن مستقبله لا تقرره منصة حزبية، وأن وديعته وحقوقه وعمله تحميها مؤسسات. ويستطيع العرب مساعدة لبنان عندما يجدون شريكاً يملك قراره، ويحترم التزاماته، ويمنع استخدام أرضه ضد أشقائه. الدعم المطلوب يعيد بناء المدارس والمستشفيات والقرى، ويعيد الثقة إلى الاقتصاد، فلا تصبح الهجرة المشروع الوحيد المتاح لأصحاب الكفاءة.
أعتقد أن لبنان لم يفقد إمكاناته، لكنه يحتاج إلى تحريرها من الخوف والوصاية. اتفاق الطائف يستحق الاحتفاء به بالفعل: تنفيذ ما يُعيد الدولة، ومراجعة ما عطلها، وصون التنوع الذي صنع قيمة لبنان. لا نطلب استعادة صورة قديمة للسياحة، بل استعادة حق اللبناني في حياة طبيعية، يصنعها بعمله ويحميها وطنه. وتلك مهمة اللبنانيين أولاً، تبدأ باتفاق صريح على أن كرامة الوطن لا تُصان إذا ظل قراره موزعاً بين العواصم والرايات. يخضر لبنان عندما تعود الدولة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة