لبنان
سياسة

الدبلوماسية تبدأ بالكلمة الدقيقة: كيف تشكل اللغة مستقبل الأزمات؟

النهار٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٦ ص0 مشاهدة
الدبلوماسية تبدأ بالكلمة الدقيقة: كيف تشكل اللغة مستقبل الأزمات؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الدبلوماسية تبدأ من الكلمة الدقيقة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أوقات التوتر، لا يقتصر ترقب الشعوب لقادتها على الكلمات فحسب، بل يتعداه إلى ما تكشفه تلك الكلمات عن حقيقة الموقف والمسار المحتمل للأحداث. فالفارق بين إعلان دولة لـ "إدانتها" أو "تحذيرها" أو "دعوتها للحوار" يتجاوز مجرد الأسلوب ليشمل حجم المسؤولية المختارة وما تتركه من أبواب مفتوحة أو مغلقة أمام الآخرين.

لهذا، لا تبدأ الدبلوماسية بالضرورة عند جلوس المسؤولين إلى طاولة المفاوضات، بل تبدأ قبل ذلك، عند قرار صانع القرار بكيفية وصف ما يحدث، وأيّ الحقائق يضعها في الواجهة، وأيّ لغة يستخدم لمخاطبة شعبه وحلفائه وخصومه. فالكلمة السياسية لا تقتصر على شرح الموقف، بل ترسم حدوده وتكشف ما إذا كان الهدف هو تهدئة القلق، أو تثبيت موقف، أو تمهيد الطريق لاتفاق.

الدقة في التعبير لا تعني البرودة أو خلو اللغة من الموقف، ولا تعني إخفاء الحقيقة خلف عبارات عامة. بل تعني أن يكون التعبير واضحاً قدر الإمكان حسب الظروف، وأن يعي القائد أثر كل عبارة في المتلقين وفي الأطراف المراقبة. في أوقات الأزمات، قد تتحول جملة عابرة إلى عنوان يتداوله الملايين، وقد تُفسّر كلمة واحدة على أنها تهديد أو تراجع أو التزام، حتى لو لم تكن هذه نية المتحدث.

تتزايد أهمية هذا الأمر مع سرعة انتقال التصريحات اليوم عبر الشاشات والمنصات، واقتطاعها أحياناً من سياقها، وإعادة نشرها وتفسيرها بلغات ووجهات نظر مختلفة. وعندما يغيب الوضوح أو تتناقض الرسائل الصادرة عن جهة واحدة، يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين الموقف الحقيقي وما يُقال للاستهلاك السياسي، مما يؤدي إلى تراجع الثقة ويفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة للكلمات.

في منطقتنا، حيث تتشابك الأزمات السياسية والإنسانية وتتراكم أسباب الخوف وانعدام الثقة، تصبح مسؤولية الخطاب العام أكبر من مجرد اختيار عبارة مناسبة. فالكلمات قد تساهم في تهدئة النفوس أو زيادة الاحتقان، وقد تحفظ للإنسان كرامته أو تختزله في أرقام وشعارات. لذا، تحتاج القيادة إلى لغة تعترف بحجم الألم، تبتعد عن التحريض والتعميم، وتشرح للناس ما هو معروف وما لا يزال مجهولاً، بدلاً من ترك فراغ تملؤه الشائعات.

يضيف الذكاء الاصطناعي وسرعة تداول المحتوى تحدياً آخر، حيث يمكن للتصريحات الملفقة أو المقاطع المجتزأة أن تنتشر قبل وصول التصحيح للجمهور. هذا يجعل وضوح المؤسسات واتساق رسائلها جزءاً من حماية الثقة العامة. فالتأخر في التوضيح، أو الاكتفاء ببيانات مبهمة، قد يُفسّر على أنه عجز أو محاولة لإخفاء الحقيقة، وليس حياداً.

الكلمة الدقيقة لا تضمن الاتفاق ولا تمنع الخلاف، لكنها تمنح أساساً أكثر صدقاً لفهم ما يجري، وتتيح الاختلاف دون تحريف للوقائع، وتفتح مجالاً للحوار دون التنازل عن المسؤولية. فالقيادة لا تُقاس فقط بالوعود المعلنة، بل بقدرتها على قول ما تستطيع فعله، وشرح ما لا تستطيع فعله، والحفاظ على كلمتها حتى مع تبدل الظروف.

قد لا تبدو الكلمات في السياسة بديلاً عن القرارات، لكنها غالباً ما تكون أول ما يراه الناس منها، وأول ما يبني توقعاتهم أو يهدمها. لذلك، تبدأ الدبلوماسية من لحظة يختار فيها صاحب القرار أن يتكلم بدقة، لا ليخفي موقفه، بل ليجعله مفهوماً ومسؤولاً وقادراً على إبقاء مساحة للحوار، حتى في أصعب الظروف.

شارك الخبر: