التمويل الأصغر في سوريا: هل يمثل مفتاح التعافي للمشاريع الصغيرة؟


هذا الخبر بعنوان "المشاريع الصغيرة في سوريا... هل يفتح التمويل طريق التعافي؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوريا، تسعى جهات حكومية ومصارف متخصصة بالتمويل الأصغر إلى تطوير خدمات رقمية وائتمانية لدعم المشاريع السورية. ومع ذلك، يواجه أصحاب هذه المشاريع تحديات كبيرة تتمثل في شح السيولة، ارتفاع تكاليف التشغيل، وصعوبة الوصول إلى الأسواق.
بين نقص التمويل وارتفاع نفقات التشغيل، يبحث أصحاب المشاريع الصغيرة والحرفيون في سوريا عن مصادر تمويل وأسواق جديدة تضمن لهم الاستمرارية والتوسع. تعمل هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومصارف التمويل الأصغر على تحسين خدماتها الرقمية والائتمانية، لكن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرتها على الوصول إلى المستفيدين وتلبية احتياجاتهم الحقيقية. تتجاوز احتياجات هذه المشاريع مجرد الحصول على قرض، لتشمل التدريب، تسهيل إجراءات الترخيص، ودعم التسويق، بالإضافة إلى تأمين الطاقة والمواد الخام، وضمان وجود طلب كافٍ لتصريف الإنتاج.
تتضح الفرص الكامنة في هذا القطاع والعقبات التي تعيق نموه من خلال الخطط المؤسسية وتجارب أصحاب الأعمال.
أكد إيهاب زكور، مدير هيئة تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، في تصريح خاص لـ"النهار"، أن الهيئة تعمل منذ سقوط النظام السابق على إعادة هيكلة وبناء منظومات رقمية متوافقة مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار. وأوضح أن عمل الهيئة يرتكز على ست وحدات إدارية تقدم خدماتها عبر منصات رقمية متخصصة. تشمل هذه المنصات إدارة خدمات المشاريع، التي توفر الاستشارات والتدريب والدراسات من خلال "منصة خارطة المشروعات الوطنية" والمستشار الرقمي الذكي المعتمد على الذكاء الاصطناعي. كما تتولى إدارة خدمة العملاء تصنيف المشاريع ومنح التراخيص المؤقتة لمدة ثلاث سنوات عبر منصة "تكرم".
وأشار زكور إلى إدارة التمويل، التي تعمل على توفير التمويل الرأسمالي من خلال ثلاثة مسارات: تنموي، استثماري، وتشاركي، بالإضافة إلى تمويل رأس المال العامل لتغطية الاحتياجات التشغيلية. وتتضمن الهيكلية أيضاً إدارة القيمة المضافة عبر منصة التسويق الإلكتروني "سوق الخير"، وإدارة الحاضنات وبيوت المشاريع من خلال منصة "مشروع الخير"، وإدارة رواد الأعمال والشركات الناشئة عبر منصة "رواد الخير". ولفت إلى أن القطاعات التي تعتمد عليها الهيئة تشمل الأنشطة الرقمية، الغذائية، الإعلام، الإنتاج الدرامي، النسيج، الجلديات، والزراعة.
تندرج هذه الخدمات ضمن مسار تطوير تدريجي، حيث أشار زكور سابقاً في تصريحات لوكالة الأنباء السورية (سانا) إلى أن الإطلاق الشامل للمسار التنموي يُتوقع بحلول آذار/مارس 2027، بعد إتمام المراحل التجريبية والتمهيدية.
من جهته، يرى أديب شرف، الرئيس التنفيذي لمصرف الإبداع للتمويل الأصغر، في حديث لـ"النهار"، أن التمويل الأصغر يمثل أداة اقتصادية حيوية في مرحلة التعافي، وأن وظيفته تتجاوز مجرد تقديم خدمة اجتماعية مساندة، نظراً لأهمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد السوري. وأوضح أن المصرف يعمل على بناء منظومة تمويل متدرج تتناسب مع حجم النشاط، بدءاً من المشاريع المنزلية المتناهية الصغر وصولاً إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة. يركز المصرف على سلاسل القيمة في القطاعات الزراعية، الصناعية، التجارية، والخدمية، مع إعطاء أولوية للأمن الغذائي.
وأضاف أن المنظومة تشمل خدمات غير مالية عبر مركز خدمات الأعمال الذي يقدم التدريب والإرشاد، بالإضافة إلى تطوير خدمات مالية إلكترونية تشمل المحافظ والبطاقات ونقاط البيع ومنصة "نوافذ"، ومنتجات تأمينية بالتعاون مع شركات مرخصة. وأكد شرف أن المصرف يركز على الزراعة والأمن الغذائي من خلال ربط المزارعين بالأسواق، وعلى الصناعات الصغيرة، الحرف، التجارة، الخدمات، والاقتصاد الرقمي. كما أشار إلى عقد شراكات لتمويل إعادة الإعمار وترميم المنازل والحرف والمهن المرتبطة بهذه الأنشطة.
في قراءة لواقع القطاع، أوضح الخبير في التمويل الأصغر منير هارون لـ"النهار" أن التضخم وضغط السيولة يخلقان فجوة بين تكلفة تأسيس المشروع والسقوف التمويلية المتاحة. وأشار إلى سعي مؤسسات التمويل لتعديل هذه السقوف لتتوافق مع استراتيجية مصرف سوريا المركزي للأعوام 2026-2030. واعتبر أن الأهم هو توجيه التمويل نحو احتياجات محددة، مثل رأس المال العامل أو معالجة ثغرة في سلسلة الإنتاج، بما يساهم في استمرارية التدفقات النقدية.
للتعامل مع مخاطر تمويل المشاريع الجديدة ومحدودية الضمانات لدى بعض الشباب، لفت هارون إلى تزايد الاعتماد على تقييم قدرة المشروع على توليد تدفقات نقدية مستقبلية، وعلى تمويل سلاسل القيمة بناءً على عقود توريد. ويربط نجاح التمويل باستمرارية المشاريع وقدرتها على النمو والانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى النشاط المنظم، مع ضرورة مراعاة العوامل الخارجية، مثل تقلب القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء.
تكشف تجارب أصحاب المشاريع عن كيفية تجلي هذه التحديات في العمل اليومي. يقول عبد الرحمن عاشور، صاحب مشروع "تفاصيل" من حلب، إن مشروعه يركز على إعادة استخدام المواد والمنتجات وربطها بالتراث السوري لإنتاج قطع تجمع بين القيمة الجمالية والاستخدام العملي، مع طموحه لتأسيس مدرسة لفن لف الورق الحلبي المعاصر. وأوضح أن المنتجات تشمل صناديق تحتوي على صابون حلب، دفاتر، ولوحات يدوية. وأشار إلى أن الدعم الذي حصل عليه قبل سقوط النظام السابق اقتصر على المشاركة في معارض بمحافظات مختلفة، بينما يسعى حالياً للحصول على دعم من وزارة السياحة للمشاركة في المعارض المحلية وتوسيع فرص تسويق منتجاته.
تتلاقى هذه التجارب عند تحدٍ واحد: تحويل التمويل والتدريب والمنصات الرقمية إلى مبيعات ودخل يضمن استمرارية المشروع. فتوفير القرض خطوة أساسية، لكن تأثيره يبقى مرتبطاً بتكلفته وشروط سداده، وتوافر مستلزمات الإنتاج، وقدرة المستهلكين على الشراء.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد