لبنان يرفع صوته للعالم: هل من استجابة حقيقية أم مجرد بيانات؟

تم حذف هذا الخبر من المصدر الأصلي (النهار) بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
قد يشير حذف الخبر من المصدر الأصلي إلى أن المعلومات الواردة فيه غير دقيقة أو مضللة. ننصح بشدة بالتحقق من صحة هذه المعلومات من مصادر أخرى موثوقة قبل مشاركتها أو الاعتماد عليها.
💡 نصيحة: قبل مشاركة أي خبر، تأكد من التحقق من مصدره الأصلي ومقارنته بمصادر إخبارية أخرى موثوقة.

هذا الخبر بعنوان "لبنان يطلب من العالم… ماذا بعد؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لبنان لا يحتاج إلى بيئة إقليمية تصدّر إليه أزماته، ولا إلى مجتمع دولي يكتفي بإدارة تداعياتها. ما يحتاجه هو بيئة إقليمية تحترم سيادته، وإرادة دولية تُنفّذ الالتزامات القانونية، ودولة وطنية تستعيد قرارها وتنهض بمسؤولياتها.
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وقف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، واضعاً أمام العالم جراح لبنان المفتوحة، وطارحاً أسئلة مصيرية. وتساءل: كيف يمكن لدولة تتعرض لضغوط خارجية تمسّ أمنها وأرضها، ولا تزال استعادة السيادة على قراراتها ومؤسساتها تشكّل تحدياً داخلياً لها، أن تبني نفسها من جديد؟ وهل يملك المجتمع الدولي والإقليمي جدية حقيقية لتثبيت وقف إطلاق النار ودعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار، أم سينتهي الأمر عند حدود البيانات؟ والأنكى من ذلك، إلى أي مدى يُدرك اللبنانيون أنفسهم أن القرارات الدولية لن تنقذ بلدهم ما لم تتوافر إرادة داخلية حقيقية لاستعادة الدولة قبل فوات الأوان؟
لا يقتصر المطلب اللبناني من المجتمع الدولي على التضامن السياسي أو تحديد الالتزامات فحسب، بل يتمثل في الانتقال إلى دعم فعلي ضمن أطر زمنية واضحة وآليات قابلة للتنفيذ، تتيح للدولة استعادة سيادتها وبسط سلطتها على كامل أراضيها. ولهذا، طالبت بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي التي احتلتها، واحترام سيادتها، والإفراج عن الأسرى، وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701. كما شددت على دعم الجيش اللبناني بما يعزز قدرة الدولة على تولي مسؤولياتها الأمنية، ويحول دون نشوء فراغ أمني في الجنوب، بالإضافة إلى الدعم الإنساني وتمويل التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
ومن هنا، لا يقع على عاتق المجتمع الدولي الحلول محلّ الدولة اللبنانية في أداء وظائفها، بل تهيئة الظروف التي تمكّنها من استعادة سيادتها وفاعلية مؤسساتها. فكل دعم لا يفضي إلى تغيير الوقائع الأمنية، أو تعزيز قدرة المؤسسات العامة على الاضطلاع باختصاصاتها، يظلّ قاصراً عن معالجة الأسباب الحقيقية، ولا يتجاوز أثره حدود الاحتواء المؤقت لتداعيات الأزمة.
أما عربياً وإقليمياً، فلم يعد يُرتجى الاكتفاء ببيانات الدعم السياسي والديبلوماسي، بل احترام استقلالية القرار اللبناني، والامتناع عن توظيفه في صراعات الآخرين، والإسهام في تهيئة الظروف اللازمة لاستقراره. إذ لا يستقيم استقرار لبنان ما دامت أراضيه عرضةً لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات، ولا تتحقق سيادته بمجرد تأكيدها، بل بتمكين دولته من ممارستها الفعلية. فالرسالة اللبنانية هنا ليست دعوة إلى الانكفاء عن عالمها الإقليمي، بل هي مطالبة بعلاقة ندّية قائمة على احترام سيادة الدولة ومصالحها، ودعم استقراره، وخفض التصعيد بدلاً من تصدير أزمات المنطقة إلى الداخل اللبناني، بحيث يكون لبنان طرفاً في تحديد مستقبله، لا ساحةً تُختبر عليها تفاهمات الآخرين.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في ما يتعين على لبنان أن ينجزه بنفسه؛ فالدعم لا يمكن أن يحلّ محلّ الإرادة الوطنية. وإنهاء الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار ما لم يقترن بإصلاح داخلي يعالج مواطن الخلل التي أضعفت الدولة ومؤسساتها. ولهذا، يصبح الإصلاح الداخلي ضرورةً وطنية ودستورية لا يجوز إرجاؤها إلى ما بعد الحرب؛ فالأمن والتعافي والإصلاح عناصر مترابطة في مشروع استعادة الدولة. فلا استقرار مستدام في ظل تعدد مراكز القرار السيادي، ولا تعافٍ اقتصادي حقيقي في ظل مؤسسات تعجز عن الإصلاح والمساءلة، ولا ثقة عامة من دون دولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
وتبرز الأولوية الأولى في ترسيخ سلطة الدولة الحصرية في المجالين الأمني والعسكري، بما يضمن احتكارها المشروع للسلاح، وحصر قرار الحرب والسلم في مؤسساتها الدستورية، وبسط سلطتها الفعلية على كامل أراضيها. وبذلك، تنتقل السيادة من كونها مبدأً معلناً ومطلباً موجّهاً إلى الخارج، إلى ممارسة مؤسسية فعلية تتيح للدولة حماية مصالحها ومنع إخضاع البلاد لخيارات عسكرية لا يصدر قرارها عن مؤسساتها الدستورية.
ولا تكتمل استعادة الدولة إلا بإصلاح بنيتها المؤسسية والاقتصادية والمالية. ويشمل ذلك تنفيذ إصلاحات جادة، وتعزيز استقلال القضاء وفاعليته، ومكافحة الفساد، وترسيخ الشفافية والمساءلة، وحماية حقوق المواطنين وأموالهم. فالدولة التي تطلب دعم المجتمع الدولي لإعادة بناء مؤسساتها مطالبة بإثبات قدرتها على إصلاح هذه المؤسسات، وضمان حسن إدارة الموارد، وإخضاع السلطة العامة للمحاسبة وفقاً للقانون. غير أن تأكيد المسؤولية الوطنية لا يجعل الإصلاح الداخلي شرطاً لاستحقاق الحماية الدولية. فالالتزامات المترتبة على القانون الدولي تظل قائمة، ولا تنتقص منها أوجه القصور الداخلي لدى الدولة المتضررة، وفقاً للقانون الدولي.
في الختام، لبنان لا يحتاج إلى إقليم يصدّر إليه أزماته، ولا إلى مجتمع دولي يكتفي بإدارة تداعياتها، إنه يحتاج إلى بيئة إقليمية تحترم سيادته، وإرادة دولية تُنفّذ الالتزامات القانونية، ودولة وطنية تستعيد قرارها وتنهض بمسؤولياتها. لا يُقاس نجاح أي دعم بحجمه وحده، بل بمدى إسهامه في تمكين لبنان من استعادة دولته. وقد يفتح الطريق، لكنه لا يستطيع أن يسلكه نيابةً عن اللبنانيين.
*باحثة في القانون الدولي والعلاقات الدولية - المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة