لبنان
ثقافة

معرض "عتبات": استكشاف التحوّل الفني بين ما نتركه وما نصبح عليه

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٢٢ ص0 مشاهدة
معرض "عتبات": استكشاف التحوّل الفني بين ما نتركه وما نصبح عليه

تنويه

هذا الخبر بعنوان "معرض "عتبات"… الفنّ في المسافة بين ما نغادره وما نصير إليه" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يستضيف فضاء "Kulturnest" معرض "عتبات" (THRESHOLDS)، الذي يجمع خمسة عشر فناناً لاستكشاف مفهوم التحوّل عبر مختلف الوسائط الفنية كالصورة واللون والخامة. يتناول المعرض، الذي تنسقه الدكتورة باميلا شرابية، أعمالاً تجعل من النوافذ والأجساد والعمارة والنبات حدوداً متحرّكة بين الذاكرة والإمكانيات المستقبلية.

يُفتتح المعرض في 24 تشرين الأول/أكتوبر ويستمر حتى 2 كانون الأول/ديسمبر في سنّ الفيل، بشارع إميل إده قرب مستديرة الصالومي. بعد معرض "الملاذ" السابق، يطرح "عتبات" سؤالاً حول ما يحدث عندما تتغير علاقتنا بما نعتبره ملاذاً، مانحاً مفهوم "العتبة" كثافة خاصة. فالبيت الذي نغادره يبقى فينا، والذاكرة تتغير مع كل استعادة، والهوية تتشكل مما نحتفظ به وما نفقده. وفي سياق لبنان، حيث تتداخل مفاهيم الإقامة والرحيل والعودة والانتظار، يلامس هذا المفهوم تجربة يومية، لكن قيمته الفنية تكمن في قدرته على الانتقال من الفكرة إلى التكوين، ومن المعنى اللفظي إلى التوتر البصري الذي تخلقه المساحة والخطوط والألوان.

تتجسد العمارة كسؤال في عمل رانيا عصام حمادة "بين عالمين"، حيث تتجاور واجهات أوروبية مع سلالم وتماثيل وأجساد معاصرة في فضاء متعدد الاتجاهات. تحتفظ القصاصات بحدودها البيضاء، مما يوحي بأن لكل صورة ذاكرة تقاوم الذوبان في المجاورة، وتتشكل المدينة من انقطاعاتها، ليصبح الانتقال بين أجزائها تجربة في فقدان المرجع. تستدعي هذه المعالجة أسلوب فوتومونتاج هانا هوخ، ولكن بينما يحمل التشظي عندها حدة سياسية ساخرة، يفتح لدى حمادة مجالاً لتأمل الذات التي تجمع أماكن متباعدة في حيّز واحد. تتأجل مسألة الوصول بكثرة السلالم، وكل ممر يفضي إلى احتمال. ويعيد جوزف العريض بناء هذا القلق عبر الرسم، حيث تتقاطع الأقواس والخطوط المائلة حول أجساد موزعة على مستويات مختلفة، وتصل الألوان بين المساحات. تبدو الشخصيات منشغلة بالصعود أو الانحناء أو حفظ التوازن، كأن العمارة تتشكل تحت خطواتها. يمنح القوس وعداً بالاحتواء، ثم تفتحه الخطوط على جهات أخرى، لتصبح العتبة بنية للمكان، والسكن محاولة مستمرة للتوازن.

في عمل ندى رافاييل الفوتوغرافي "غرفة بإطلالة"، تصبح النافذة عتبة بين رؤية الأرض وتعذّر الوصول إليها. يدخل الضوء إلى بيت فقد قدرته على الحماية، حيث رجل تحجب العتمة ملامحه، وحديد ملتَوٍ يقطع المشهد الخارجي، وركام يحتفظ ببقايا حياة منزلية. خلف الجدران، يستمر الاخضرار، لكنه يضاعف الإحساس بالحرمان. يشير النص المرافق للعمل، المصور في إبل السقي، إلى أن الأرض الظاهرة تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، مما يجعل السكان يخشون الاقتراب من النوافذ خوفاً من الاستهداف. تصبح الإطلالة حقاً مهدّداً، ويمكن مقارنة هذا العمل بـ "الشرط الإنساني" لماغريت، حيث تربك اللوحة أمام النافذة حدود المنظر وتمثيله. تسأل نافذة ماغريت عن حقيقة ما نراه، وتضيف نافذة رافاييل سؤالاً عن قدرتنا على النظر بأمان. العتبة هنا مسافة مرئية، يظل اجتيازها متعذراً.

تنقل زهراء أحمد البابا هذا التردد إلى الهوية في عملها "النملة والفيل". أمام البحر وصخرة الروشة، تقف شخصيتان بملابس بشرية ورأسَي حيوانين. تستعيد البدلة والنظارة السوداء والفستان الأبيض والحقيبة ألفة صورة ثنائية، فيما يفتح الرأسان المشهد على غرابة هادئة. يربط الشرح المرافق الفيل بالذاكرة والثقل العاطفي، والنملة بالمثابرة والتعاون. لكن العمل يتنفس أيضاً خارج هذا التفسير؛ فاختلاف الحجم وثبات الوقفة وهدوء الأفق تجعل العلاقة بين الكائنين أكثر التباساً من معادلة رمزية. تبدو الهوية قابلة لارتداء هيئة أخرى مع الاحتفاظ بإيماءاتها الاجتماعية. وعلى هذه العتبة، يتجاور المألوف والعجيب دون أن يلغي أحدهما الآخر.

في عمل ليان الحريري "رغم كل الصعاب"، يمتد نمو أخضر عبر سطح يهيمن عليه البنفسجي وتقطعه آثار سوداء وزرقاء. يستمد النبات قوته من ضآلته أمام الجدار، ومن ميله الذي يعترض الانحدار العمودي للون. تظهر الحياة عند موضع التصدع، ويحتفظ التعافي بخشونة ما يعبره، لذلك يحمل الشق توتراً أعمق من وعد سهل بالأمل. وتفتح فاتن حمدان عتبة أخرى داخل تكوينها الزهري، حيث تتكاثف ضربات الأحمر والوردي والأسود حول مركز يكاد يدور، فيما تمنح الأرضية الفيروزية الحركة متسعاً. يثبت الساق هيئة الزهرة، وتتفلّت حوافّها في اندفاع الطلاء. تتردد العين بين التعرف إلى النبات والانشغال بإيقاع اللون، ويقع التحول في هذه المسافة التي يحتفظ فيها الشكل باسمه، فيما يبدأ الرسم بتحريره من حدوده.

تسمح قراءة هذه الأعمال المختارة بتتبع اختلاف جوهري في معنى الانتقال. فعبور نافذة مهدّدة يختلف عن التنقل داخل مدينة متخيلة، والتحول الذي يمس الهوية يختلف عن اقتراب الزهرة من التجريد. وتنبع قيمة الجمع بينها من إبقاء هذه الفروق حية، ومن مقاومة اختزال التجارب في تفسير واحد للعبور. تتحدد القيمة النقدية لمعرض "عتبات" في قدرة معالجاته على منح المفهوم الجامع ضرورة بصرية: ضوء يعيد توزيع العلاقة بين الداخل والخارج، وقصاصات تعيد تركيب المكان، وأشكال تتأرجح بين التشخيص والتجريد. وتغدو العتبة أكثر إقناعاً حين تتجسد في بناء العمل وخياراته المادية، وتترك للتكوين أن ينتج دلالته، بدلاً من الاكتفاء بتوضيح الفكرة المعلنة للمعرض.

يشارك في المعرض الفنانون: إليز سلامة، فاتن حمدان، جوزف العريض، كاتيا عون الحاج، ليان الحريري، ليلي نعيم، ندى رافاييل، نادين طبري، ناتالي بنّوت، أولغا صفا، رانيا عصام حمادة، ريما غانم، رويدة ملّو، ميشال رعد، وزهراء أحمد البابا.

شارك الخبر: