لبنان
سياسة

القوة العسكرية المفرطة: هل تضمن الترسانة تحقيق السلام؟

المدن٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٨ م0 مشاهدة
القوة العسكرية المفرطة: هل تضمن الترسانة تحقيق السلام؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عندما يصبح فائض القوة عبئاً:هل تكفي الترسانة لصناعة التسوية؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يضمن التفوق العسكري بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية. فقد تمتلك دولة ترسانة متقدمة وقدرة تدميرية هائلة، لكنها تعجز عن ترجمة إمكاناتها إلى مكاسب مستقرة. تكمن المشكلة في الخلط بين امتلاك الوسائل من جهة والقدرة على توظيفها سياسياً من جهة أخرى. تظهر المفارقة حين تتجاوز القدرة العسكرية ما تستطيع السياسة توظيفه، أو حين يعجز التفوق الميداني عن إنتاج مكاسب تتناسب مع كلفته. فالسلاح يستطيع تدمير بنية عسكرية وتعطيل منشآت حيوية وإلحاق خسائر فادحة بالخصم، لكنه لا ينتج وحده تسوية مستدامة، ولا يضمن خضوع الطرف المقابل. فالهيمنة السياسية وفرض السيطرة لا تختزلهما موازين النيران.

تقدّم التجربة الأميركية في العراق وأفغانستان مثالاً على هذه الفجوة. فقد أمكن إسقاط الأنظمة عسكرياً، لكن بناء واقع سياسي مستقر كان أكثر تعقيداً من تحقيق الانتصار الأوّلي. فالتفوق الميداني لا يلغي تعقيدات المجتمع، ولا يضمن أن يقبل الخصم بالشروط المفروضة عليه. وهذا إخفاق يظهر بعد الحرب، حين يعجز الحسم الميداني عن إنتاج الاستقرار.

حين تضيق الخيارات رغم اتساع الترسانة يتحول التفوق إلى عبء عندما يرفع سقف التوقعات إلى حد الاعتقاد بأن القدرة على التدمير تعني القدرة على فرض الإرادة. وقد يصطدم هذا الافتراض بخصم مستعد لتحمل الخسائر، أو قادر على إطالة المواجهة وتغيير أساليبها، فتزداد الكلفة وتتراجع الضمانات. وتبرز معضلة أخرى في التصعيد. فقد تؤدي ضربة إضافية إلى توسيع دائرة المواجهة واستدراج أطراف جديدة وتعقيد الحسابات الدبلوماسية والاقتصادية. عندها لا يعود السؤال متعلقاً بإمكان تنفيذ الضربة، بل بجدواها.

وتقدّم المواجهة الأميركية الإيرانية مثالاً راهناً على هذه المعضلة. فقد أظهرت الضربات الأميركية والإسرائيلية قدرة على استهداف المنشآت العسكرية الإيرانية. لكن الردود الإيرانية، بما شملته من استهداف مصالح وبنى حيوية في المنطقة والضغط على الملاحة في مضيق هرمز، وسّعت نطاق الكلفة إلى ما يتجاوز ساحة المواجهة المباشرة. فحين تتحول المواجهة إلى استنزاف متبادل، يصبح التفوق العسكري عاملاً مؤثراً، لكنه لا يكفي وحده لضمان الحسم السياسي.

لبنان: بين القدرة على الإيذاء وكلفة المواجهة

تكتسب هذه المفارقة بُعداً أكثر قسوة في لبنان، حيث تتداخل الحسابات العسكرية المحلية مع الصراع الإقليمي، فيما لا يحتكر القرار اللبناني وحده تحديد مسار المواجهة أو توقيتها. فالقدرة على إلحاق خسائر بالخصم، مهما بلغت، لا تكفي بذاتها لحماية البلاد من اتساع الحرب، ولا لضمان شروط التسوية أو منع تكرار المواجهة. وفي المقابل، لا يعني التفوق العسكري الإسرائيلي أن كل هدف سياسي يمكن تحقيقه بالقوة، ولا أن الحسم الميداني يتحول تلقائياً إلى نصر سياسي دائم.

وبين هذين الحدّين، يدفع لبنان ثمناً يتجاوز الخسائر المباشرة إلى تعطيل الاقتصاد وإضعاف مؤسسات الدولة وتأخير التعافي. وتكشف الأرقام حجم هذا الاختلال. فقد قدّر البنك الدولي، في آذار 2025، حاجات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان بنحو 11 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الناجمة عن حرب 2023–2024 نحو 14 مليار دولار. وهذه كلفة لا تقيس حجم الدمار وحده، بل تكشف أيضاً الفجوة بين حسابات المواجهة العسكرية وقدرة بلد مأزوم على تحمّل تداعياتها.

المفارقة اللبنانية أن أطراف المواجهة قد تقيس ما حققته بما ألحقته بالخصم من خسائر، فيما يُقاس الثمن الوطني بما خسره اللبنانيون من منازل وأرزاق وفرص للتعافي. ولا يعني ذلك تساوي المسؤوليات أو القدرات، بل إن الحسابات العسكرية لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية.

من التفوق إلى الفاعلية الاستراتيجية

لا يشكّل امتلاك السلاح عبئاً في ذاته، فهو عنصر أساسي في الردع وحماية المصالح وتعزيز الموقع التفاوضي. لكن قيمته تتوقف على وضوح الغاية، وضبط الاستخدام، والقدرة على تحديد ما يمكن تحقيقه وما قد يترتب على ذلك من تداعيات. ومن ثم السؤال العملي ليس: كم يستطيع الطرف أن يدمّر؟ بل: ما الصورة السياسية التي تنتهي إليها الحرب؟

وللخروج من فخ الاستنزاف وتحويل فائض القوة من عبء مدمِّر إلى أداة ضغط تفاوضية فعالة، تتطلب المعادلة الاستراتيجية شروطاً ثلاثة: أولاً، ربط العمل العسكري بأفق سياسي واضح لا يحصر الغاية في الإيذاء أو التدمير، بل في بناء مسار تفاوضي يؤسس لتسوية مستدامة. ثانياً، إدراك حدود القدرة الميدانية وعدم الانسياق خلف وهم الحسم المطلق في بيئات اجتماعية وسياسية معقدة. ثالثاً، حماية المصالح الوطنية العليا للبلدان الصغرى والساحات المأزومَة من أن تكون وقوداً لحروب استنزاف إقليمية مفتوحة بلا طائل. فحين تصبح الكلفة الوطنية أعلى بكثير من أي مكسب سياسي محتمل، يصبح التراجع عن حافة الهاوية التدميرية للصراع هو عين العقل الاستراتيجي.

في النهاية، قد تحسم القوة معركة من دون أن تنهي الصراع، وقد تفرض كلفة باهظة من دون أن تنتج تسوية مستقرة. فالترسانة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لصناعة التسوية. ويصبح فائض القوة عبئاً حين تتقدم القدرة على الإكراه على وضوح الهدف. عندها يستطيع طرف أن يجعل الحرب مكلفة لخصمه، من دون أن يضمن النهاية التي يريدها.

شارك الخبر: