وزارة التربية السورية: مراوغة في المناهج وتساؤلات حول أهدافها


هذا الخبر بعنوان "وزارة التربية السورية تراوغ فكيف تربّي؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد يومين من تداول أخبار حول تعديلات في المناهج التعليمية السورية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام، أصدرت وزارة التربية والتعليم السورية بياناً حول هذا الموضوع الذي أثار انتقادات وسخرية، حتى من قبل المدافعين عن السلطة. يبدو بيان الوزارة موجهاً بشكل خاص لهذه الفئة، بهدف استئناف دعمهم بغض النظر عن فحوى البيان أو مدى تطابقه مع القضية المثارة.
هذا الأسلوب ليس جديداً، فقد تكرر منذ تسلم السلطة الحالية زمام الأمور. يتمثل النهج في انكشاف أمر يتعلق بالسلطة، فيتصدى الموالون للتشكيك، وعندما يتأكد الأمر، تتحول السلطة أو موالوها إلى مناقشة موضوع آخر تماماً، مستخدمين ما يعرف بـ "مغالطة رجل القش" لتحويل مسار النقاش. على سبيل المثال، عند إثارة قضية قرار لمدير في الساحل يلزم الموظفات بالحجاب، يرد الموالون أو مسؤولون بأن هناك موظفات سافرات في دمشق. وعند انتقاد تضييق محافظة دمشق على أماكن بيع وشرب الكحول، يأتي من يشير إلى أن المطاعم في حلب تقدم الكحول دون قيود. هذه الأمثلة، وغيرها الكثير، ليست اعتباطية بل تمثل نهجاً متبعاً.
لم يقدم بيان وزارة التربية والتعليم رداً واضحاً وصريحاً على التعديلات التي لاقت استهجاناً، مثل حذف صور فتيات صغيرات من مناهج ما قبل السلطة الحالية، وتحجيب نساء في صور أخرى، وحتى تحجيب صور لنساء من عهود قديمة، وستر جسم تمثال فرعوني. كما شملت التعديلات حذف فقرة عن عبدالرحمن الكواكبي، مؤلف "طبائع الاستبداد"، وتعديل فقرات عن ثورتي صالح العلي في الساحل والثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش. وأبقت الوزارة على موقفها بإلغاء فقرة نظرية التطور لداروين، وأدخلت تعديلات مثل تغيير عنوان خريطة موقع سوريا من "الوطن العربي" إلى "الأمة الإسلامية".
بينما لا يجيب البيان على التعديلات المذكورة، فإنه يشير إلى صور لم يتم المساس بها، تتضمن فتيات صغيرات وص الطبيبات سافرات، وصورة من زفاف ريفي تظهر فيها العروس سافرة. لكن البيان يتجاهل تعديلات أخرى ذات بعد سياسي، مثل حذف جمال عبدالناصر من صورة تجمعه مع شكري القوتلي، مع الإبقاء على صورة القوتلي المقتطعة. كما يتجاهل تعديلات في منهاج العلوم كان يجب أن يكون بعيداً عن التسييس.
الرد على مسألة الحجاب وإقصاء النساء، حتى في عمر الطفولة، يبدو كمن يقول "يكاد المريب يقول خذوني". ومع ذلك، من المرجح أن يقنع البيان جمهوراً مستعداً لتصديق أي شيء يصدر عن سلطته، وستعمل ماكينته الإعلامية على ترويجه عبر السوشيال ميديا، مما يؤدي إلى إلحاق هزيمة بالمنتقدين. غالباً ما تتجاوز وسائل الإعلام والسوشيال ميديا الأخبار التي تصبح ترند قبل ساعات، وهكذا يُغلق النقاش، وتبقى المناهج على حالها حتى يظهر ما يثير ضجة مماثلة، كما فعل الصحفي محمد السلوم بنشر صور مقارنة بين المناهج.
جمهور السلطة ليس كتلة واحدة؛ فهناك من ترضيهم التعديلات أكثر من البيان، ومن تحرجهم التعديلات ويريدون بياناً يستر حرجهم، ومن يحاولون التوفيق بين التعديلات والبيان كنوع من التوازن بين أجنحة السلطة المزعومة، معتبرين ضرورة مراعاة الأكثر تطرفاً فيها. المراوغات والمغالطات التي تقدمها الوزارة واضحة لأي طالب متوسط المستوى، فهي تتهرب من الإجابة على السؤال المطروح إلى إجابة على سؤال آخر. هذا السلوك يقدم نموذجاً مناقضاً لما ينبغي أن يكون عليه المعلم، من حيث الشفافية واحترام العقول والنقد.
الاستمرار في هذا النهج، الذي يتجاوز الوزارة، يشير إلى سلوك متعمد لتمرير أيديولوجيا أصولية. لم يصدر عن السلطة ما يفيد تخليها عن هذه الأيديولوجيا، وكل ما قيل هو أمنيات من أشخاص يتمنون ذلك. يخلط البعض بين التخفف من الأيديولوجيا والبراغماتية، بينما قد تخدم البراغماتية الاستثمار في الأيديولوجيا لا التخلي عنها. يُذكر أن عبدالملك بن مروان، عند وصوله للخلافة، فصل بين مقتضيات الإيمان ومقتضيات السياسة والحكم، وكان مؤسساً للدولة الأموية. يبدو أن من ينتسبون إليه اليوم لم يقرأوا تاريخه جيداً ولم يتعظوا من إنجازاته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة