لبنان
اقتصاد

طرابلس تستعيد رونقها: دعوة لأهلها للمشاركة في نهضتها بعد زيارة الرئيس عون

النهار٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٠ ص0 مشاهدة
طرابلس تستعيد رونقها: دعوة لأهلها للمشاركة في نهضتها بعد زيارة الرئيس عون

تنويه

هذا الخبر بعنوان "طرابلس تزيل الغشاوة عن جلدها… والدور الآن علينا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في جوهرها، هدفت زيارة الرئيس إلى بث الطمأنينة والتأكيد على قرب التغيير. لكن الدولة لا تستطيع وحدها النهوض بمدينة لا تنهض بنفسها. لا يجوز لنا الاكتفاء بالانتظار أو تعليق الآمال على المسؤولين فحسب. على طرابلس أن تتحرك هي أيضاً، والآن.

في الرابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وقف رئيس الجمهورية العماد جوزف عون تحت قناطر أوسكار نيماير في معرض رشيد كرامي الدولي، مؤكداً ما كنا نقوله منذ سنوات: إن طرابلس قادرة على أن تكون نموذجاً للتلاقي والتعاون والنظر إلى المستقبل. لم تكن هذه مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل كانت أول زيارة رئاسية للمدينة منذ أربعة عشر عاماً. وفي سرايا المدينة، قالها بوضوح لا لبس فيه: "عانت طرابلس كثيراً من الإهمال، وقد آن الأوان لوضع حدّ له".

الجميع كان يعرف، ولنكن صادقين: لم يكتشف أحدٌ طرابلس بالأمس. كان الجميع على دراية بأن هذه المدينة تزخر بنسيج مملوكي فريد، وقلعة صليبية، وأسواق وخانات وحمامات لا تزال تنبض بالحياة. وكانوا يعرفون مرفأها على المتوسط، وسكة حديدها التي افتُتحت عام 1911 نحو حمص، ومعرضاً دولياً من تصميم أحد أعظم معماريي القرن العشرين، وحِرفيين يحملون في أيديهم أسرار قرون. كان الجميع يعلم أن طرابلس ليست عبئاً على لبنان، بل رصيدٌ مجمد. لعشرين عاماً، دافعتُ عن هذه المدينة بالحجج نفسها التي سمعناها من أعلى سلطة في الدولة. طرقتُ الأبواب في بيروت وباريس، كتبتُ الرسائل، نظّمتُ المؤتمرات، ورفعتُ العرائض. وكان الجواب في كل مرة إما صمتاً مهذباً، أو وعداً لا يتحقق. لماذا؟ لأن طرابلس لم تكن يوماً متروكة عن طريق الصدفة. لقد قالها الرئيس بنفسه من المعرض: ظُلمت هذه المدينة لعقود بسبب إهمال الدولة وعبث عصابات تتخفى خلف السياسة، حتى استُبيحت وتحولت إلى صندوق بريد مظلم لتبادل الرسائل المسمومة. كانت الجغرافيا السياسية تحتاج إلى مدينة تُستغل ولا تُبنى، تُحرّك عند الحاجة وتُسكّن عند انتهائها. وكان لبعض الفاعلين السياسيين في تلك المرحلة مصلحة واضحة في أن تبقى طرابلس فقيرة: فالمدينة الفقيرة خزّان انتخابي سهل، والمُهمَلة لا تُحاسب، والخائفة لا تطالب. كل مشروع إنمائي كان يُعامل كتهديد، وكل مبادرة ثقافية كترف لا وقت له.

مع ذلك، لم نتوقف، ولم ننتظر إذناً من أحد. جمعيات، ومثقفون، ومعماريون، وأكاديميون، وحِرفيون، وأبناء منتشرون، كنّا نزرع في أرضٍ قيل لنا إنها لا تُنبت. وثّقنا الأبنية والحِرف والذاكرة قبل أن تضيع. حملنا قضية معرض رشيد كرامي إلى المحافل الدولية حتى أُدرج على لائحة التراث العالمي. وأعدنا إليه الحياة بالموسيقى والضوء، يوم كان كثيرون لا يرون فيه إلا خراباً. كان هذا العمل يتم في الظل، لأن الضوء لم يكن مسموحاً. لكنه لم يكن عبثاً. فحين يُفتح الباب، لا يدخل منه إلا من أعدّ ملفاته. واليوم، الملفات جاهزة.

مدينة تبدّل جلدها

حرص رئيس الحكومة نواف سلام على حضور الجلسة الأولى لمجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي، في إشارة لم يفهمها كثيرون حينها: الدولة تعود إلى المعرض. ثم في حزيران الماضي، هبطت طائرته في مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات، ووُضع حجر الأساس لتأهيله وتشغيله بعد عقود من المطالبات. وفي أيار/مايو، وقّع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، من مرفأ طرابلس، وثائق مناقصة تحديث خط سكة الحديد بين طرابلس والعبودية، المتوقف منذ 1975. وفي أيلول، رعى سلام في السرايا الحكومية توقيع عقود ومذكرات تفاهم للمرفأ والمنطقة الاقتصادية الخاصة وسكك الحديد. واليوم، رئيس الجمهورية في المرفأ، وفي المنطقة الاقتصادية، وفي قصر العدل، وفي المعرض. مرفأ، مطار، قطار، منطقة اقتصادية، ومعرض دولي على لائحة التراث العالمي. كل ذلك في أقل من عام. هذه ليست مصادفة، بل منظومة تولد.

لماذا أصبح ذلك ممكناً اليوم؟ لأن في البلاد سلطة تتصرف كدولة، لا كوسيط بين الطوائف والمحاور، دولة تقول إن الإنماء حق لا منة. ولأن الخريطة الإقليمية تتبدل، فعادت طرابلس بموقعها ومرفئها وطرقها البرية حاجة للبنان كله. ولأن العمل الصامت الذي قام به أبناؤها طوال سنوات الظلام جعلها جاهزة حين حانت اللحظة. فالفرصة لا تأتي إلا لمن أعدّ لها. لكن الزيارات وحدها لا تصنع مدناً، والعبرة في الورش. وقد فهم نواف سلام ذلك حين نقل الوعد من الكلام إلى الميدان. وعلى هذا المقياس سنحكم على كل ما أُعلن. والآن، دورنا.

في جوهرها، أرادت زيارة الرئيس أن تطمئن، وأن تؤكد أن التغيير آتٍ. لكن الدولة لا تستطيع أن تنهض بمدينة لا تنهض بنفسها. لا يجوز أن نكتفي بالانتظار، ولا أن نعلق كل شيء على المسؤولين. على طرابلس أن تتحرك هي أيضاً، والآن. أن نخرج من منطق الزبائنية إلى منطق المواطنة. الصوت الانتخابي ليس ثمناً لخدمة أو وظيفة أو مساعدة موسمية. من يريد أن يمثل طرابلس فليأت ببرنامج، لا بوعود انتخابية. أن نحاسب كل مشروع أُعلن يجب أن نتابعه: متى يبدأ، ومتى ينتهي، ومن يموله، ومن ينفذه. لا شيء يقتل المشاريع في لبنان أكثر من النسيان. أن نرفض أن نعود صندوق بريد. لا للسلاح المتفلت، ولا لمن يستعمل شبابنا وقوداً لرسائل الآخرين. أمن المدينة يبدأ من وعي أهلها. أن نحمي الملك العام كما نحمي بيوتنا. أراضي سكة الحديد، والأبنية التراثية، والمعرض، والشاطئ. التعدي على المال العام ليس شطارة، بل سرقة من أولادنا.

آمنتُ دائماً بأن الثقافة والتراث هما الأساس الذي تقوم عليه الدول، والجامع الذي يوحد الشعوب. لا دولة بلا ذاكرة، ولا مستقبل لمدينة تجهل ما كانت عليه. لقد وضع رئيس الجمهورية رسالته في صندوق بريد طرابلس. والجواب لن يُكتب في بيروت، بل هنا: في شوارعنا، وفي صناديق اقتراعنا، وفي ورشنا. طرابلس اليوم تبدل جلدها، والتحول لحظة هشة: إما أن يخرج منه كائن جديد، وإما أن يتعثر. انتظرنا هذه اللحظة عشرين عاماً، ولن نسمح بأن تضيع. إلى أهل طرابلس أقول: الباب مفتوح، فلنعبره بأقدامنا.

*رئيسة جمعية "تراث طرابلس – لبنان"، عضو مجلس إدارة معرض رشيد كرامي الدولي

شارك الخبر: