النفط: مقارنة بين صدمة 1973 وأزمة اليوم.. هل بلغ العالم ذروة التحمل؟


هذا الخبر بعنوان "النفط بين صدمة 1973 وأسعار اليوم: إلى أين تصل قدرة العالم على التحمّل؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما شكّل النفط عصب الاقتصاد العالمي، مؤثراً في تكاليف الإنتاج والنقل، ومعدلات التضخم والنمو. لكن قدرة العالم على استيعاب ارتفاع أسعاره ليست ثابتة، بل تتأثر بحجم الصدمة ومدتها، وقدرة الاقتصادات على إيجاد بدائل. مع تداول خام برنت قرب 115 دولاراً للبرميل في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2026، تعود المقارنة بأزمة الحظر النفطي العربي عام 1973، التي شكلت صدمة اقتصادية كبرى.
في تشرين الأول/أكتوبر 1973، فرضت الدول العربية المصدّرة للنفط حظراً على الولايات المتحدة ودول أخرى، وخفضت الإنتاج رداً على الدعم الأميركي لإسرائيل خلال حرب 6 تشرين الأول/أكتوبر. لم تكن الأسواق مستعدة، فالنفط كان أساسياً للصناعة والنقل والطاقة، مع كفاءة استهلاك محدودة وبدائل نادرة. ارتفع سعر البرميل من 2.90 دولار إلى 11.65 دولار في كانون الثاني/يناير 1974، أي نحو أربعة أضعاف في أشهر قليلة. ورغم رفع الحظر في آذار/مارس 1974، بقيت الأسعار مرتفعة، وتحولت أزمة الإمدادات إلى أزمة اقتصادية شاملة.
عند مقارنة الأسعار، يجب الأخذ في الاعتبار التضخم. فمتوسط سعر البرميل في 1973 (3.29 دولارات) يعادل نحو 25 دولاراً بقيمة الدولار في آب/أغسطس 2026، بينما بلغ متوسط سعر 1974 ما يعادل 79 دولاراً بالقيمة نفسها، وفق بيانات معدّلة بالتضخم. أسعار اليوم التي تتجاوز 100 دولار للبرميل أعلى من متوسط 1974 بعد احتساب التضخم، لكنها ليست الأعلى تاريخياً؛ فقد سجلت مستويات أعلى في 2008. الأهم من السعر هو حجم الصدمة الاقتصادية. في 1973، أدى الحظر إلى فقدان 4.5 ملايين برميل يومياً (7% من المعروض). أما الأزمة الراهنة، فترتبط بتعطّل حركة النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً (خُمس الاستهلاك العالمي).
تختلف طبيعة الأزمة الحالية عن السبعينيات؛ فالمشكلة ليست في السعر فقط، بل في حجم الإمدادات المهددة وصعوبة إيصالها. قد يتكيف الاقتصاد العالمي مع أسعار مرتفعة إذا بقيت الإمدادات متاحة. لكن ارتفاع الأسعار يصبح خطيراً مع نقص المعروض، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع المخزونات. تنتقل الصدمة من سوق الطاقة إلى قطاعات النقل والزراعة والصناعة، ثم تؤثر على أسعار السلع والخدمات والقوة الشرائية للأسر.
رغم أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل اعتماداً على النفط، فإنه لا يزال حساساً له. دفعت الأزمات السابقة إلى تحسين كفاءة استهلاك الوقود، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير حقول إنتاج جديدة، وإنشاء احتياطيات استراتيجية. كما ساهم انتشار الطاقة المتجددة والتطور التكنولوجي في توفير بدائل. ومع ذلك، يظل النفط عنصراً أساسياً في النقل البحري والجوي والبري، وفي الصناعات الكيميائية والبتروكيماوية. التحول إلى بدائل الطاقة ليس بنفس السرعة في جميع الاقتصادات. قد تتمكن دولة بإنتاج محلي واحتياطيات مالية كبيرة من امتصاص الصدمة، بينما تواجه دولة تعتمد على الاستيراد ضغوطاً أكبر.
لا توجد عتبة سعرية واحدة تؤدي تلقائياً إلى الركود. بلوغ النفط 150 أو 200 دولار للبرميل لا يعني بالضرورة انهيار الاقتصاد العالمي. الأثر يتوقف على مدة بقاء الأسعار مرتفعة، وحجم الإمدادات المفقودة، ومستوى المخزونات، وقدرة المنتجين الآخرين على زيادة الإنتاج، والوضع الاقتصادي والمالي لكل دولة. وصول النفط لمستويات مرتفعة جداً لفترة طويلة يزيد احتمالات تراجع الاستهلاك والاستثمار، ويجعل الشركات أكثر حذراً، فيما تضطر الأسر لتخصيص جزء أكبر من دخلها للطاقة والنقل.
تزداد المعادلة صعوبةً عندما تتزامن أسعار النفط المرتفعة مع التضخم والديون وتكاليف التمويل. ارتفاع الطاقة يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، وقد يدفع الأسعار الاستهلاكية للارتفاع مجدداً، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو. رفع أسعار الفائدة يزيد كلفة الاقتراض، وتخفيف السياسة النقدية بسرعة قد يفاقم الضغوط التضخمية. يمكن أن تتحول الصدمة النفطية إلى مشكلة تتجاوز سوق الطاقة لتطال الاستثمار والائتمان والمالية العامة.
لا ينبغي التعامل مع مستويات 100-150 دولاراً للبرميل كحد آمن أو خطر مطلق. السعر الذي يمكن للاقتصاد العالمي امتصاصه لفترة قصيرة قد يصبح عبئاً إذا استمر لأشهر، بينما قد تكون صدمة سعرية أعلى أقل ضرراً إذا كانت مؤقتة ولم تؤدِّ إلى نقص حاد في الإمدادات. المقارنة بين 1973 و2026 ليست في تكرار التاريخ، بل في إدراك أن الاقتصاد العالمي تغير، فيما بقي النفط أحد أهم مصادر المخاطر الاقتصادية.
سيناريو بلوغ 200 دولار للبرميل يمثل اختباراً شديداً لقدرة الاقتصادات على التكيف، لا نقطة انهيار مؤكدة. المشكلة الأساسية ليست الوصول إلى مستوى سعري معين، بل استمرار ارتفاع التكاليف في وقت تتراجع فيه قدرة المستهلكين والشركات على التحمل. أزمة 1973 علّمتنا أن الأسواق تتأثر بكمية النفط المتاحة، ومدى استعدادها للصدمة وقدرتها على إيجاد بدائل. كشف الحظر عن اعتماد كبير على دول منتجة محدودة، ودفع الاقتصادات المستهلكة لإعادة النظر في سياساتها المتعلقة بالطاقة والمخزونات والكفاءة. اليوم، رغم تنوع مصادر الإنتاج والبدائل، فإن الترابط العالمي يجعل أي اضطراب كبير في الممرات الاستراتيجية يؤثر في أسعار الوقود والشحن والسلع.
في النهاية، المقارنة بين 1973 و2026 تبرز أن الاقتصاد العالمي تغير، لكن النفط لا يزال مصدراً رئيسياً للمخاطر. العالم اليوم أكثر كفاءة في استخدام الطاقة وأكثر تنوعاً في مصادرها، لكنه لا يزال معرضاً لصدمات حادة عند تعطل الإمدادات. بين سعر يتجاوز 100 دولار للبرميل واحتمالات استمرار الاضطرابات، يبقى العامل الحاسم هو المدة التي يستطيع خلالها الاقتصاد العالمي تحمّل هذه الكلفة قبل أن تتحول من ضغط على المستهلكين والشركات إلى تباطؤ في النمو وتراجع في الطلب. السؤال الحقيقي ليس فقط كم يمكن أن يرتفع سعر النفط، بل إلى متى يستطيع العالم دفع ثمنه دون أن يدفع الاقتصاد بأكمله ثمناً أكبر.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد