تنويه
هذا الخبر بعنوان "جدتي" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
رحلت جدتي سكنة، من عائلة أبي في قرية عيتا الشعب الجنوبية، بعينيها الزرقاوين، في عام 1983، بعد عام واحد من اجتياح إسرائيل للبنان. دفناها في مقبرة الخراب بمدينة صور، بجوار جدي الذي سبقها إلى تلك البقعة الجميلة من لبنان، حيث دفن أخي ودفنت أختي، طفلان رحلا قبل أن يدركا شيئًا عن هذا العالم المليء بالشر.
أتذكر جدتي وهي تحب الحبق، وتخفي في صرة من قماش حبات نبات السكر، تطعمنا منها حين نتودد إليها. كانت تجلس حول سريرها لتحكي لنا قصة الثعلب أبو الحصين. أحبت أن تقرأ ما حفظت من القرآن الكريم، تطلب مني أن أفتح لها المصحف على سور مختارة وأن أقرأ الكلمة الأولى فقط، فتبدأ هي بتجويد ما حفظته عن ظهر قلب.
يوم وفاتها، وقفت أراقب الموت بعيني طفلة غلب فضولها حزنها. لم تكن المرة الأولى التي أجلس فيها بحضرة الموت، فقد شهدت وفاة شقيقتي الصغرى قبل ذلك بسنوات قليلة. في الحالتين، كنت شاهدًا غير مرئي، فالجميع كان مشغولًا بما يلي لحظة إعلان الموت. لا أذكر أنني بكيت يوم ماتت أختي بقدر ما كان المشهد مؤلمًا لا يزال حيًا محفورًا في ذاكرتي. أمي تبكي صغيرتها، وتجمعت نسوة قريبات حولها ينصحنها بالابتعاد عن طفلتها كي تخرج الروح وتستريح من عذاب الاحتضار. كان موتها خبرًا بحجم كفيها الضئيلتين.
أما يوم وفاة جدتي، فقد حضر أقارب وأصحاب، كل من عرف جدتي جاء لوداع أخير. أبكاني بكاء أبي وحزنه على موتها، وهالني احمرار عينيه الخضراوين، فقد كان رقيق القلب. يوم خرجت أختي الصغيرة من البيت، حملها أبي بين ذراعيه مثل هدية ملفوفة، خرجت وحيدة، أخذت معها جزءًا مني إلى عالم مجهول. أما جدتي، فكانت لها رحلة أخيرة على الأكتاف من البيت إلى المقبرة في مدينة صور.
بعد كل هذه السنوات، أستعيد ذكرى جدتي وإخوتها وأخواتها مع أحد أبناء قريتها الذين هُدمت بيوتهم وهُجروا من عيتا الشعب إلى أجل غير مسمى. أخبرني أن المسافة بين بيته الذي لم يعد موجودًا وبين قريتنا طربيخا التي لم تعد موجودة أيضًا، لا تتجاوز 800 متر. رغم قصر المسافة، ما جمعنا كانت الخسارة، تلك الإطلالة من بيت مهدم على حياة ما عادت موجودة. يلتقي الناس في الخسارات المتوارثة وتلك الطارئة، يصبحون أكثر قدرة على السرد، يتشاركون المرارة كأنها قدر، ثم يستمرون في محاولة عيشهم.
عاشت جدتي في طربيخا بعد زواجها من جدي، ثم نزحت معه إلى البص بالقرب من مدينة صور. تنقلت جدتي بعد وفاة جدي بين بيوت أبنائها، لينتهي بها المطاف إلى جوار جدي بعيدًا عن طربيخا، وبعيدًا عن عيتا الشعب. جدتي التي كانت تحتفظ لنا بنبات السكر وبحكايات بدأت تتسرب من ذاكرتي وتختفي، يؤلمني غيابها كأنني ما عرفتها. يؤلمني غياب أبي، ويؤلمني هذا الدمار الذي نشاهده بصمت وهذه البيوت التي تتحول إلى أشلاء وأطلال في صور. وأكثر ما يؤلمني أننا نموت وندفن ودائع أو غرباء. وإن كانت هي أرض الله، فقد مُنحت أسماء من سكنوها، صارت ملكًا لهم، وصرنا غرباء بعيدًا عن قرانا.
أخبار ذات صلة
ثقافةافتتاح الدورة الثانية لأسبوع السينما اللبنانية برعاية سلامة: نحو إرث سنوي وعروض مجانية للجميع
ثقافةمهرجان الفيلم الفرنسي العربي في نوازي لو سيك: مصر ضيفة الشرف وسينما عربية تحكي الواقع والمقاومة
ثقافةمايا دياب تخطف الأنظار كعارضة أزياء في ختام أسبوع دبي للموضة بتصميم تارون تاهيلياني
ثقافة
