لبنان
سياسة

من الطوائف إلى المواطنة: كتاب يوسف مرتضى يشرح أسباب فشل الدولة اللبنانية ويقدم خارطة طريق للخلاص

النهار٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٤٨ ص0 مشاهدة
من الطوائف إلى المواطنة: كتاب يوسف مرتضى يشرح أسباب فشل الدولة اللبنانية ويقدم خارطة طريق للخلاص

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من صقيع الطوائف إلى دفء المواطنة: تشريح في مخاضات الكيان اللبناني" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتناول كتاب "من الطوائف إلى المواطنة: لبنان في رحلة البحث عن الدولة" للكاتب والباحث يوسف مرتضى، بنقد لاذع وعمق تحليلي، الأسباب الكامنة وراء تعثر قيام الدولة الحديثة في لبنان. الكتاب، الذي يُعد بمثابة "مانيفستو" معرفي وفكري، يفكك المحطات التاريخية والسياسية المأزومة التي أدت بالكيان اللبناني إلى مصاف "الدول الفاشلة"، مستنداً إلى وثائق ووقائع علمية.

يُشخّص مرتضى عيوب البنية اللبنانية التي تفاقمت بفعل طغيان المحاصصة وتعطيل الدستور، ويقدم في الوقت ذاته خريطة طريق للخروج من هذا النفق. ترتكز هذه الخريطة على التطبيق الكامل لاتفاق الطائف، وإلغاء الطائفية السياسية، واعتماد "قانون المجلسين". ويهدف الكتاب إلى تقديم دليل معرفي ووطني للجيل الصاعد والنخب السياسية لبناء دولة المواطنة والمؤسسات المدنية العادلة.

ينطلق الكتاب من تجربة نضالية وميدانية طويلة للكاتب، يمزج فيها الوعي الأكاديمي بالحس الصحافي والسياسي، متجاوزاً التوثيق التاريخي الروتيني نحو بناء رؤية تحليلية تفكك بنية "دولة المزرعة" ومحاصصاتها. يقدم مرتضى نصاً رصيناً، موجهاً بالدرجة الأولى إلى الجيل الصاعد الذي عاصر ثورة 17 تشرين الأول 2019، متسائلاً عن الجذور التي تحول دون قيام دولة قانون ومؤسسات عادلة.

تنساب حبكة الكتاب عبر مسار كرونولوجي دقيق، يتتبع فيه الباحث مخاض الولادة اللبنانية منذ الإرهاصات الأولى لتأسيس الإمارة على يد فخر الدين المعني الثاني، مروراً بانكفاء العهد الشهابي وانفجار الفتن الطائفية. تتصاعد الدراما التاريخية مع إعلان "دولة لبنان الكبير" عام 1920، وما تلاه من الميثاق الوطني لعام 1943. ويكشف مرتضى كيف أن كل صياغة سياسية كانت تحمل في طياتها بذور فنائها، نتيجة غياب مفهوم المواطنة الكاملة المتساوية، وصولاً إلى اندلاع الحرب الأهلية (1975-1989) التي يراها نتيجة حتمية لانسداد أفق الإصلاح السياسي.

لم يكن اتفاق الطائف عام 1989 سوى محاولة لإعادة صياغة العقد الاجتماعي، لكنه سرعان ما وقع في أسر "الوصاية السورية" وتواطؤ المنظومة المحلية، مما أحال الدستور إلى نص استنسابي، وتسبب في الوصول إلى لحظة الانهيار المالي والاجتماعي الكامل.

يعيد الكتاب تقييم الأشخاص والزعامات السياسية التي طبعت تاريخ لبنان بمشرط نقدي. فخر الدين الثاني يظهر كحاكم استشراقي مبكر، بينما يُحلل الأمير بشير الثاني كدليل على تحالف السلطة والإقطاع. يحظى الرئيس فؤاد شهاب بمكانة خاصة كرمز أدرك أن بناء الوطن يمر عبر التنمية الإدارية والاجتماعية والعدالة، لكن مشروعه اصطدم بمكائد الحلف الثلاثي وتدخلات الأجهزة الأمنية. يفكك مرتضى أدوار أمراء الحرب والمنظومة الحاكمة الذين انحصر هاجسهم في التحاصص الغنائمي.

تكمن القوة العلمية للنقد في ابتعاد الكتاب عن الانطباعية والمواقف الإيديولوجية المسبقة، إذ يبني مرتضى تحليلاته على الواقعة التاريخية والوثيقة المكتوبة، مثل تفكيك النصوص الدستورية وقراءة محاضر الاجتماعات الحاسمة، بما في ذلك محضر الجلسة بين بشير الجميل ومناحيم بيغن عام 1982. يستعين مرتضى أيضاً بأدبيات علم الاجتماع السياسي لتناول مفاهيم أساسية كالفرق بين "الشعب" و"الأمة"، و"النظام" و"المنظومة"، مؤكداً أن المشكلة اللبنانية تكمن في امتناع المنظومة عن تطبيق الدستور.

يستخلص مرتضى أن الكيان اللبناني لم تستكمل فيه العناصر القانونية والدولية للدولة الحديثة، وأن العنصر الجغرافي لا يزال منقوصاً، والشعب مقسماً إلى طوائف ومذاهب تعيش وعي "المجتمع الأهلي" و"القبيلة". فقدت الدولة احتكارها الحصري لاستخدام العنف الشرعي، وسادت المحاصصة الفئوية، مما دفع بلاد الأرز نحو مصاف "الدول الفاشلة".

لا يقف مرتضى عند حدود الجلد الذاتي، بل يفتح نافذة استشرافية نحو المستقبل. يرى أن العبور من ضيق الطائفة إلى رحاب المواطنة يمر حتماً عبر خريطة طريق واضحة تبدأ بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، وإقرار قانون اللامركزية الإدارية الموسعة. يضاف إلى ذلك إصلاح التمثيل النيابي عبر اعتماد "قانون المجلسين"، واستعادة حصرية السلاح وخضوع كافة القوى العسكرية والأمنية لسيادة السلطة المدنية الشرعية.

يؤكد مرتضى أن أي عهد جديد أو حكومة إنقاذية لن يكتب لها النجاح إلا إذا جعلت مرجعيتها الدستور، وتحرير القضاء، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، للانتقال بلبنان من "المزرعة" إلى "دولة الحق والعدل". الكتاب، بقيمته كـ"مانيفستو" مكثف، يختزل مئات السنين من التاريخ المأزومي في صياغة سلسة تتيح لشباب وسائل التواصل الاجتماعي استيعاب المعضلة اللبنانية، ويوفر مرجعاً أساسياً للنخب السياسية وقوى التغيير والمؤسسات التعليمية والثقافية.

شارك الخبر: