لبنان: أدوات مكافحة الفساد جاهزة.. والدولة غائبة عن المشهد


هذا الخبر بعنوان "مكافحة الفساد في لبنان: الأدوات جاهزة والدولة غائبة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في لقاءٍ ضمن مؤتمر GIRAF 2026 حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في مواجهة الفساد، برزت مبادراتٌ فرديةٌ واعدةٌ في لبنان، غابت عنها الدولة. جلس إلى جانبي في قاعةٍ ببيروت، أربعة خبراء لبنانيين: محمد نجم من «سمكس» في الحقوق الرقمية، وإيهاب حلّاب من «سمارت غوف» في السياسات العامة، وأسعد ذبيان من مبادرة «غربال» المتخصصة بالشفافية وحق الوصول إلى المعلومات، والمهندسة هانية زعتري، خبيرة في التكنولوجيا المدنية ورئيسة دائرة الترخيص والمراقبة في مصلحة الصناعة الإقليمية في الجنوب. لم يقدم أي منهم مشروعًا حكوميًا، بل عرضوا أدواتٍ بنوها بأموالهم ووقتهم، وقواعد أخلاقية وضعوها بأنفسهم في ظل غياب تشريعاتٍ واضحة.
تجسد هانية الزعتري مثالًا حيًا، حيث بنت روبوتًا على واتساب لتنظيم طلبات العائلات النازحة خلال الأسبوع الأول من الحرب، لكنها لم تستغل مواقعهم خوفًا من استغلال المعلومات. أما أسعد ذبيان، فلم يتردد في تعلم تقنيات الـ"برومبت" والـ"وكيل"، ليتمكن خلال ستة أشهر من إخراج الجريدة الرسمية من خلف جدار الاشتراك، والاستعداد لإطلاق لوحة بأسماء المصرحين عن ذممهم المالية بالتعاون مع الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. هذه القرارات الأخلاقية الفردية تأتي في بلدٍ يحمي بيانات مواطنيه بقانونٍ يعود لعام 2018، سبقت مسودته ظهور واتساب.
في المقابل، كانت الدولة غارقةً في إجراءاتها البيروقراطية. ففي سبتمبر 2025، أقر مجلس الوزراء إنشاء وزارة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لكن المشروع ظل معلقًا في أدراج التشريع حتى الصيف الماضي. وفي أغسطس، وقع لبنان قرضًا بقيمة 150 مليون دولار من البنك الدولي للتحول الرقمي. هذه الخطوات الحكومية، من إنشاء وزارة إلى الحصول على قروض، لم تصل إلى الداعمين الحقيقيين لهذه المبادرات والأدوات التي تم بناؤها بالفعل.
تكمن المشكلة في أن الأدوات، مهما بلغت ذكاءها، لا تستطيع محاسبة أحدٍ بمفردها. فالذكاء الاصطناعي قادر على فرز آلاف التصاريح المالية في ساعات، لكن من سيقرأ النتائج؟ الهيئة المسؤولة عن تلقي هذه التصاريح تعمل بثلاثة موظفين فقط، ووصفها صندوق النقد الدولي بأنها "لم تصبح عاملةً بالكامل بعد". إن وجود خوارزمية تكشف الخلل دون وجود جهة لملاحقته أشبه بجرس إنذارٍ في بيتٍ مهجور. كيف يمكن بناء طبقة ذكية فوق إدارةٍ تعاني من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت وعدم امتلاكها لمراكز بيانات؟
تُسافر بياناتنا إلى الخارج، حيث تعمل معظم تقنيات الذكاء الاصطناعي على خوادم شركات أجنبية، بينما لا يزال لبنان يفتقر إلى تنظيمٍ قانونيٍّ لهذه المسألة. حتى اقتراح قانون حماية الحياة الخاصة، الذي وصل إلى مجلس الوزراء في مايو، يركز على العقوبات دون ذكر هيئة مستقلة للمراقبة.
تتفاقم أزمة الثقة بين المواطنين والدولة، التي ترث الحكومات المتعاقبة عنها الفساد والغموض. ففي مارس الماضي، مدد البرلمان ولايته لعامين، مسلبًا المواطنين حقهم في صندوق الاقتراع. وفي أغسطس، أقر قانونًا للإعلام يعاقب بالسجن على نشر "أخبار كاذبة ومضرّة". في ظل هذه الظروف، كيف يُطلب من المواطن أن يثق بمنصة رقمية تبنيها دولةٌ لا تثق بصحافييها؟
المفارقة تكمن في أن الثقة التي فقدتها الدولة وجدت طريقها إلى "بيوت أصغر" تتمثل في المبادرات الفردية. قد يطمئن المواطن إلى روبوتٍ بنته مهندسةٌ محلية أكثر من اطمئنانه إلى موقعٍ وزاريٍّ أو هيئةٍ رسمية.
وفوق كل ذلك، يقف سقفٌ أقدم من أي أداة: اتفاق الطائف. فبينما ألغى الاتفاق الطائفية في الوظيفة العامة على الورق، إلا أن الممارسة كرّست توزيعًا طائفيًا يصل إلى أصغر التعيينات، حيث تسبق الطائفة الشهادة، والولاء الخبرة، والزعيم المؤسسة. كيف يمكن لشابةٍ بنت أداةً تخدم النازحين أن تجد مكانها في نظامٍ يقيس الناس بانتمائهم قبل كفاءتهم؟
في ختام المؤتمر، يبقى السؤال: ماذا لو أنفقت الدولة على هؤلاء المبدعين، وعلى مئاتٍ مثلهم، جزءًا مما تقترضه باسم التحول الرقمي؟ لا يحتاج لبنان إلى وزارةٍ أخرى بقدر ما يحتاج إلى دولةٍ تستمع إلى أبنائها، وتفتح لهم بياناتها، وتحميهم بدلًا من ملاحقتهم. أما واجبنا كصحافيين ومواطنين، فهو المطالبة بالوثائق والسؤال عن المسؤولين، لا الاعتماد على ما تحسبه الآلة.
فالخوارزمية، في النهاية، مرآة تعكس ما نضعه أمامها: سجلاتٍ ناقصة، وتعييناتٍ طائفية، وتصاريح متكدسة. ولن تعكس يومًا وجهًا أنظف من وجه الدولة التي تقف قبالتها. إن أردنا المحاسبة، فلنبدأ بما لا يُبرمَج: بقضاءٍ يجرؤ على الحكم، وبرلمانٍ يعود لصناديق الاقتراع، ودولةٍ تفتح دفاترها لأبنائها قبل المقرضين. حتى ذلك الحين، سيظل هؤلاء المبدعون يشعلون شموعًا صغيرة في وطنٍ انقطعت عنه الكهرباء منذ عقود، مانعين إيانا من اعتياد الظلام.
سياسة
تكنولوجيا
سياسة
سياسة