اليونيفيل إلى ما بعد 2026: لبنان بين ضمان السيادة واستعادة الأمن في ظل تحديات معقدة


هذا الخبر بعنوان "ما بعد اليونيفيل: من يضمن سيادة لبنان وأمنه؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب نهاية مهمة قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) في 31 كانون الأول 2026، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790، تواجه الجمهورية اللبنانية والمجتمع الدولي تحديًا مصيريًا يتجاوز مجرد انسحاب القوات الدولية. السؤال المطروح هو: من سيضمن سيادة لبنان ووحدة أراضيه وأمنه بعد ما يقرب من خمسة عقود من انتشار هذه القوات، خاصة وأن العديد من الأسباب التي استدعت وجودها لا تزال قائمة دون معالجة جذرية؟
ينص القرار على انسحاب منظم للقوات يبدأ في 31 كانون الأول 2026 ويكتمل خلال عام، مع استمرار مهام محدودة للدعم والحماية خلال المرحلة الانتقالية، تليها مرحلة إدارية لتصفية أعمال البعثة. هذا يعني أن انتهاء العمليات العسكرية لليونيفيل لا يعني المغادرة الفورية لجميع أفراد الأمم المتحدة.
القرارات الدولية لا تسقط بانسحاب اليونيفيل
لا يمكن اعتبار انسحاب اليونيفيل دليلاً على تحقيق أهداف مهمتها، في ظل استمرار الانتهاكات العسكرية الإسرائيلية، ووجود تنظيمات مسلّحة خارج سلطة الدولة، وعدم استكمال تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي 1559 و1680 و1701. هذه القرارات تتناول سيادة لبنان، ونزع سلاح الميليشيات، وأمن الحدود، وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ويؤكد القرار 2790 أن الوضع في لبنان لا يزال يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ويدعو إلى البحث في ترتيبات تضمن استمرار تنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب اليونيفيل. وبالتالي، فإن انتهاء مهمة دولية لا يعني انتهاء مفاعيل القرارات المرتبطة بها، ولا يعفي الأطراف المعنية من مسؤولياتها والتزاماتها.
حصرية السلاح والخوف من الحرب الأهلية
تكمن المعضلة الأخطر داخل الدولة اللبنانية نفسها. فبينما تؤكد السلطات الدستورية التزامها بحصرية السلاح بيد الدولة، حذر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من أن المواجهة العسكرية المباشرة لنزع سلاح حزب الله قد تؤدي إلى حرب أهلية، وسط مخاوف من اهتزاز وحدة الجيش اللبناني أو انقسامه. هذه المخاوف، رغم وجاهتها في ضوء التجارب اللبنانية الأليمة، تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تنفذ مسؤولياتها الدستورية إذا كان فرض سلطتها الشرعية قد يهدد مؤسساتها نفسها؟ إن خطر الحرب الأهلية يجب أن يؤخذ على محمل الجد، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم لاستمرار وجود تنظيمات مسلحة خارج سلطة الدولة. وفي المقابل، يجب أن تترافق المطالب الدولية بنزع السلاح مع ترتيبات سياسية ومؤسساتية وأمنية جدية، تتيح الانتقال السلمي نحو استعادة الدولة سلطتها الكاملة.
الفصل السابع ومسؤوليات مجلس الأمن الدولي
يمنح الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المواد 39 و41 و42، مجلس الأمن صلاحيات لمعالجة التهديدات التي تطال السلم والأمن الدوليين. غير أن القرارات الدولية القائمة لا تشكل بحد ذاتها تفويضاً تلقائياً لتدخل عسكري دولي جديد في لبنان. ومن هنا، يبرز السؤال حول ضرورة أن يبحث مجلس الأمن في اتخاذ تدابير إضافية، تشمل المراقبة الدولية والتحقق وتقديم المساعدة، بما يدعم تنفيذ قراراته، ويحترم السيادة اللبنانية، ويحمي حياة المدنيين.
خطة عملية لما بعد اليونيفيل: من القرارات إلى التنفيذ
تتطلب المرحلة المقبلة خارطة طريق مشتركة بين الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي، تقوم على خمس أولويات أساسية:
السيادة لا تتجزأ
إن أي ترتيب أمني مستقبلي يجب أن يعالج الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، والانتهاكات التي تطال السيادة اللبنانية، والسلاح غير الشرعي، والتدخلات الخارجية، وحصرية قراري الحرب والسلم بيد المؤسسات الشرعية للدولة. فلا يمكن استعادة السيادة اللبنانية بصورة انتقائية، كما لا يمكن للبنان أن يبقى معتمداً إلى ما لا نهاية على قوات حفظ السلام الدولية للقيام بمسؤوليات تقع أساساً على عاتق مؤسساته الدستورية.
ما بعد اليونيفيل: استعادة السيادة لا إدارة الفراغ
قد تنسحب اليونيفيل من لبنان، لكن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تسحب قراراتها، والمجتمع الدولي لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤولياته، والدولة اللبنانية لا تستطيع أن تستمر في تأجيل استعادة سيادتها. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إيجاد بديل عن اليونيفيل فحسب، بل في الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى معالجة أسبابها الجذرية، ومن الاكتفاء بإصدار القرارات الدولية إلى وضع آليات جدية وفاعلة لتنفيذها. فمستقبل لبنان يجب أن يقوم على جمهورية كاملة السيادة، تحكمها مؤسساتها الشرعية، ويحميها جيشها الوطني، ويساندها مجتمع دولي ملتزم بتحويل قراراته إلى نتائج فعلية ومستدامة.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة