موازنة 2027: بين الإصلاح المالي وعبء المواطن في لبنان


هذا الخبر بعنوان "موازنة 2027: الإصلاح المالي أم تحميل المواطن كلفة العجز؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تُقاس الموازنة العامة للدولة بمقدار الإيرادات المحصلة أو ضبط النفقات فحسب، بل بمدى تأثير قراراتها على حياة المواطنين وحقوقهم ومستقبلهم. فالموازنة في جوهرها تعكس أولويات الدولة ورؤيتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى التزامها بتحقيق العدالة في توزيع الأعباء والموارد. وفي لبنان، تكتسب موازنة عام 2027 أهمية بالغة في ظل الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي أثرت على القدرة الشرائية ووضعت شرائح واسعة من اللبنانيين أمام تحديات معيشية يومية.
العائلات التي تستنزف مداخيلها لتغطية ضروريات الحياة من غذاء وسكن وصحة وتعليم، والموظفون والمتقاعدون الذين تراجعت قدرتهم على مواجهة متطلبات العيش، باتوا غير قادرين على تحمل أعباء إضافية دون تحسن ملموس في الخدمات العامة ومستوى المعيشة. لذا، لا يكفي أن تعلن الدولة عن ضرورة تأمين الإيرادات والانضباط المالي، بل يجب أن تجيب عن سؤال جوهري: من يتحمل كلفة الإصلاح، وكيف توزع الأعباء، وعلى أي أساس تحدد الأولويات؟
إن اللجوء إلى الضرائب والرسوم كحل سريع لزيادة إيرادات الخزينة لا يمكن أن يشكل سياسة مالية مستدامة، خاصة إذا تحمل أصحاب الدخل المحدود والفئات الأكثر هشاشة كلفته المباشرة. فالعدالة المالية لا تتحقق بمجرد مطالبة الجميع بالدفع، بل تقتضي مراعاة تفاوت الإمكانات، ومكافحة التهرب الضريبي، وتوسيع قاعدة المكلفين بشكل عادل، وضمان مساهمة الجهات القادرة في تحمل مسؤولياتها.
في هذا السياق، لا يجوز فصل أي إجراءات مالية جديدة عن واقع الخدمات التي يحصل عليها المواطن. فمن يدفع للدولة له الحق في الاستفسار عن جودة الكهرباء والمياه والنقل العام والرعاية الصحية والتعليم، وعن مصير الأموال العامة وآليات إنفاقها. وليس مقبولاً أن تبقى هذه الحقوق مؤجلة بينما تتجدد المطالب المالية دون رؤية واضحة تشرح للمواطن ما الذي سيتغير في حياته نتيجة ما يدفعه.
تبدأ مسؤولية الدولة بمراجعة أدائها قبل مطالبة الناس بمزيد من التضحيات. فالإصلاح الحقيقي يقتضي مكافحة الهدر والفساد، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، وتطوير الإدارة العامة، وتحسين تحصيل الإيرادات، وإقفال منافذ التهرب، وإخضاع الإنفاق لمعايير الشفافية والفاعلية. كما يتطلب تحديد مكامن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنها، بدلاً من حصر المعالجات في إجراءات مالية يتحمل المواطن نتائجها المباشرة.
لا يعني ذلك التقليل من حاجة الدولة لموارد مالية كافية أو تجاهل ضرورة ضبط العجز، فاستقرار المالية العامة شرط أساسي لاستعادة الثقة بالاقتصاد. لكن هذا الاستقرار لا يمكن أن يقوم على حساب العدالة الاجتماعية، ولا أن يتحول إلى غاية منفصلة عن حقوق الناس. المطلوب إصلاح يوازن بين متطلبات الخزينة وقدرة المجتمع على الاحتمال، ويحوّل الإنفاق العام إلى استثمار في الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل، لا مجرد أداة لتغطية اختلالات متراكمة.
موازنة 2027 أمام اختبار يتجاوز الحسابات المالية، لأنه يتعلق بمستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن. فالثقة لا تُستعاد بالوعود، بل بالشفافية والنتائج والمحاسبة، وبإثبات أن المال العام يُدار لخدمة المجتمع، لا أن يُستنزف المجتمع باستمرار لتغطية إخفاقات الإدارة. لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة، ومن حقهم أن يعرفوا ما إذا كانت الموازنة الجديدة ستفتح باباً فعلياً للإصلاح، أم ستعيد إنتاج السياسات نفسها بأعباء مختلفة. ومن حقهم أيضاً أن يطالبوا بدولة تسبق فيها المحاسبة المطالبة بالتضحيات، ويقترن فيها كل تكليف مالي بحق واضح وخدمة ملموسة. فالإصلاح المالي لا يبدأ من جيوب المواطنين، بل من إرادة سياسية جادة في إصلاح الدولة، وموازنة 2027 لن تستعيد ثقة اللبنانيين ما لم تجعل العدالة والمساءلة وحماية القدرة المعيشية أولويات فعلية، وتؤكد أن المواطن شريك في بناء الدولة، لا الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها كلفة عجزها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
تكنولوجيا