لبنان
سياسة

لبنان دولة "المصفّرة": أزمة سيادية واقتصادية تتجاوز الشكليات القضائية

النهار٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٨ ص0 مشاهدة
لبنان دولة "المصفّرة": أزمة سيادية واقتصادية تتجاوز الشكليات القضائية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "دولة "المصفّرة"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

حادثة ضبط شحنة متفجرات في ضهر البيدر تثير نقاشاً جوهرياً يتجاوز الإجراءات القضائية، مثل إحالة الملف إلى المجلس العدلي. فالمسألة الأساسية تكمن في غياب الجدية في التحقيق والملاحقة أمام منظومة "الدولة العميقة" التي تحمي النشاط العسكري والأمني الخارج عن القانون، مما يكرس ثقافة الإفلات من العقاب رغم القرارات الحكومية الواضحة التي لم تُنفذ. الأزمة اللبنانية لم تعد مجرد تعثر سياسي أو اقتصادي، بل تحولت إلى حالة من الفصام البنيوي المزمن.

الانكشاف الأمني المستمر، على خطورته، يتزامن مع تجاهل تام للأساسيات. يعيش لبنان مفارقة مالية واقتصادية غير مسبوقة؛ فبعد الانهيار المالي الشامل وتلاشي قيمة العملة الوطنية، أصبحت الدولة اللبنانية "نظيفة" محاسبياً، حيث تم تصفير دينها العام الداخلي وتذويب التزاماتها بالليرة اللبنانية، والتحلل من عبء خدمة اليوروبوندز. لقد تحررت ميزانية الدولة دفترياً من الأغلال التي كبلتها لعقود، وهو وضع استثنائي تسعى إليه أي دولة تسعى لإعادة بناء اقتصادها.

ورغم هذه الفرصة "الصفرية" لإعادة الإقلاع، تصر الحكومة على الانتظار. فبدلاً من طرح مشاريع إنتاجية جريئة تستثمر موارد الدولة وأملاكها ومرافقها العامة والسيادية كالمرافئ والمطار والاتصالات، تمارس السلطة التنفيذية برودة قاتلة. هذا التقاعس الحكومي يثبت أن العقدة لم تعد في نقص الأموال أو تضخم الدين العام، بل في غياب الإرادة والرؤية السياسية التي تقيدها الصراعات والتوازنات داخل الجماعة السياسية الحاكمة.

في غمرة هذا الجمود، يدفع المواطن اللبناني الثمن مضاعفاً، بعد أن تلاشت مدخراته في المصارف واستفادت الدولة منها في تصفير ديونها. تتداخل المخاوف الأمنية وتوقعات عودة الحرب مع الشلل الخدماتي شبه التام. الإدارة الداخلية معطلة، والقطاعات الحيوية كالكهرباء والمياه والاتصالات متهالكة.

الرابط البنيوي بين أبعاد الأزمة واضح، فالدولة نفسها، عبر سلطاتها ولا سيما التنفيذية وأجهزتها، لا تزال تتخلى عن سيادتها وأمنها لصالح التنظيمات العسكرية الخارجة عن القانون، والشحنات المتفجرة العابرة للمناطق. وهي نفسها الدولة المستقيلة من دورها الإنمائي والخدماتي، وتفضل الحلول السهلة عبر جباية الضرائب لتغطية مصاريفها التشغيلية الفورية على حساب الاستثمار المنتج، رغم الخطاب المغاير الذي يصدر عنها، كما في كلام رئيس الحكومة عن تشجيع اقتصاد الإنتاج.

لبنان دولة تملك الموارد وتفتقد السيادة، تتخذ القرارات ولا تملك القدرة أو النية للتنفيذ. المطالبة يجب أن تتركز على فرض انتقال فعلي إلى نهج سيادي جديد لأجهزة الدولة، لا يكتفي بامتصاص الغضب دون ملاحقة جدية. نهج يربط بين استعادة السيادة الأمنية المطلقة على كامل الأراضي اللبنانية، وبين وضع الأصول والمرافق الإنتاجية في خدمة خطة تعافٍ حقيقية تخرج اللبنانيين من مستنقع الانتظار.

شارك الخبر: