المسيحيون السوريون: تحديات الوحدة الاستراتيجية في ظل التنوع السياسي


هذا الخبر بعنوان "هواجس تجاه الوجود المسيحي السوري" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
هذا المقال لا يندرج ضمن النصوص التاريخية، بل هو تحليل معمق للتموضع الاستراتيجي للمسيحيين في سوريا، مع التركيز على الجوانب السياسية. تظهر صورة لأطفال مسيحيين سوريين في كنيسة سيدة دمشق، نقلاً عن الصفحة الرسمية للكنيسة على فيسبوك.
في البداية، من الضروري التأكيد على غياب منظور سياسي مسيحي موحد في سوريا. فكل طائفة وكنيسة ومنطقة تمتلك رؤيتها الخاصة فيما يتعلق بسوريا، والوطن، والمواطنة، والعلاقات بين هذه المفاهيم. كمثال على هذا التباين، وبعد أحداث السقيلبية الأخيرة، أعلنت البطريركيات الثلاث في سوريا اعتذارها عن استقبال المهنئين بعيد الفصح، ودعت إلى إلغاء كافة الأنشطة الدينية باستثناء الصلوات. ومع ذلك، لم تلتزم العديد من الكنائس، خارج إطار البطريركيات، بهذا النوع من الاحتجاج، مما يوضح الاختلافات الجوهرية بين الكنائس.
قد لا يكون من السهل التوصل إلى رؤية موحدة حول العلاقة بين المسيحيين والحكومة السورية، أو ترتيب البيت الداخلي للطوائف المسيحية. فلكل كنيسة موقفها الخاص من المشاركة في الحياة السياسية. ومع ذلك، فإن فوائد تبني موقف موحد، سواء كان ذلك سهلاً أم صعباً، تفوق بكثير سلبيات هذه الاختلافات في وجهات النظر.
تنشغل الكنيسة السريانية الأرثوذكسية بالقومية السريانية، بينما تركز كنائس أخرى على الهوية السورية. تنعكس هذه الاختلافات على سلوك الكنائس ومواقفها، وعلى نظرة الحكومة السورية إلى المسيحيين ومشاركتهم في الحياة السياسية.
قد يتساءل البعض عن ضرورة وجود موقف أو رأي موحد، ولماذا يُعد ذلك مهماً للكنيسة نفسها. في الدول الأوروبية، لا يوجد تدخل كنسي في السياسة، فلماذا لا نقتدي بهم؟
أولاً، يشكل المسيحيون السوريون حالياً ما بين 3 و4 بالمئة من السكان. وبينما تمتلك كل طائفة رؤيتها ورسالتها واستراتيجيتها الخاصة، فإن التواصل مع الحكومة سيتم عبر طريقتين أو ثلاث. في هذه الحالة، ستنظر الحكومة إلينا ككتل ضعيفة ومشتتة بسبب افتقارنا إلى خطة استراتيجية واضحة وموحدة. إن وجود خطة استراتيجية موحدة من شأنه أن يحسن التموضع الداخلي، ويزيد من فرص الحصول على دعم خارجي حقيقي من المنظمات الدولية الداعمة للوجود المسيحي المشرقي. كما ستسعى الحكومات الأجنبية إلى وضع خطة واضحة وشاملة لتحقيق مطالبنا الاستراتيجية، وذلك بإحراجها برؤية استراتيجية عميقة وموحدة، بدلاً من أن نكون مجرد منابر لتوزيع المساعدات.
لا أتحدث هنا عن تفاصيل أو ظروف داخلية تتعلق بشؤون الكنائس، بل أشير إلى الرؤى العميقة والمتكاملة التي يمكن أن تخدم الشعب. هذه الرؤية الموحدة ستعزز شفافية خطط الكنائس، لأنها ستعبر عن واقع وتطلعات حقيقية، ولن تكون مجرد حالة عابرة. كما ستساعدنا على تحقيق أهدافنا بسهولة أكبر مقارنة بوجود خطط متعددة ومختلفة. ستستخدم كل كنيسة إمكانياتها لمواجهة الصعوبات الحالية. على سبيل المثال، تربط الكنيسة الرومية الأرثوذكسية علاقة وثيقة بالحكومة الروسية، وتحافظ الكنائس الكاثوليكية على علاقات جيدة مع الحكومات الأوروبية، ولدى البطريركية السريانية الأرثوذكسية جالية كبيرة في السويد وهولندا. بعبارة أخرى، لكل كنيسة نقاط قوة، ويمكننا تشكيل لجنة جادة تضم ممثلين عن كل كنيسة ورؤيتها. لا أقصد هنا الدعوة إلى بيروقراطية آلية، بل الاستفادة من قدراتنا الذاتية، ومن الآخرين، ومن العلاقات السياسية مع الدول الأجنبية. في حال لم تكن هذه الجهات جادة، نكون قد أدينا واجبنا وأحرجنا ادعاءاتهم.
سوريا اليوم تزخر بالطاقات في الداخل وفي بلاد الانتشار، على الرغم من تشتتها. هذه الطاقات تستحق أن تُستخدم لخدمة أهداف سامية. لا يجوز أن نخجل من أبنائنا، فهم مع حكومات البلاد التي يعيشون فيها قد يكونون راغبين في المساعدة أو المساهمة. هنا لا توجد دعوة لانعزال المسيحيين عن نسيجهم الوطني، بل لتعزيز حضورهم ليكونوا منارة.
إن اختلافاتنا قد تشكل ذريعة للخارج وتشتت استراتيجيتنا. ولا ننسى أن عاهل الأردن السابق، الملك حسين، طالب رؤساء الكنائس في البلاد بتوحيد الاحتفال بعيد الفصح، وقد تحقق ذلك ونال هو وهم ما يريدون، مع الحفاظ على خصوصية كل كنيسة. المطلوب هو وحدة استراتيجية لا كيانية، فهي وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.
ثانياً، هناك اختلافات جوهرية بين المسيحيين في أوروبا وعندنا. فالحكومات العربية لا تنظر للمسيحيين إلا من خلال إطارهم الطائفي، بينما حققت أوروبا مراحل متقدمة في مجال المواطنة. في بلداننا، لا يزال مبدأ المواطنة بحاجة إلى ترسيخ، ويجب على كل جماعة أن تجد خطتها ورؤيتها وهويتها الخاصة. بعبارة أخرى، على المسيحيين أن يشقوا طريقهم الخاص، ولا يمكنهم انتظار الحكومة أو غيرها من ذوي الخلفيات السياسية والدينية المختلفة. عندما نجد هوية وطنية ومواطنة حقيقيتين، سنصبح جزءاً فاعلاً من المجتمع السوري. اليوم، يجب أن نكون على دراية بحقوقنا وواجباتنا، وأن نفهمها جيداً كي يتمكن الآخرون من استيعابنا. علينا بلورة هويتنا لنفهم تموضعنا على الخريطة السياسية. المطلوب ليس مجرد حضور، بل وجود فاعل.
أخيراً، لدينا العديد من الأمثلة التي يمكننا الاسترشاد بها. على سبيل المثال، أطلق رئيس أساقفة حلب للروم الكاثوليك سابقاً، يوحنا جنبرت، مشروعاً مهماً لمساعدة الشباب في إيجاد سكن مناسب. في الوقت نفسه، أطلق المعاون البطريركي الماروني السابق، رولان أبو جودة، مشروعاً متقدماً لمساعدة الشباب على البقاء في لبنان. هذه الخطط تتطلب مشاركتنا جميعاً، سواء كنا نعيش في سوريا أم لا، بغض النظر عن وضعنا المادي. كل واحد منا لديه الإمكانية والفرصة للمشاركة. الأمر ليس سهلاً نظراً للعقبات الكثيرة، ولكنه ليس مستحيلاً إذا تحلينا بالشغف والمثابرة والإنسانية، بعون الله.
قد يقرأ البعض هذا الكلام ويقول: كفانا تنظيراً، فالواقع صعب ومرير، ولا أحد من الداخل أو الخارج يهتم لأمرنا. الكل ضدنا، ولا أحد سوى الرب معنا! هذا ليس صحيحاً. الحكومة الهنغارية معنا، وهناك الكثيرون ممن لو شرحنا لهم هواجسنا لن يقصروا، ربما لتحقيق أهداف تخصهم، لكن هذا ليس مهماً؛ النقطة المحورية هي أن نؤمن بأنفسنا وبالآخرين ممن هم جديرون بذلك، كامتداد لإيماننا بالرب. المهم هو أن نتحول من توزيع الضروريات إلى رسم خطط استراتيجية بعيدة المدى.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة