مناهج سوريا الجديدة: بين التحديث العلمي والاتهامات بالتسييس الديني والثقافي


هذا الخبر بعنوان "تعديل المناهج الدراسية في سوريا بين الأمانة العلمية والتسييس" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير التعديلات الأخيرة على المناهج التعليمية السورية جدلاً واسعاً حول مدى التزامها بالأمانة العلمية مقابل اتهامات بتسييسها، خاصة فيما يتعلق بالتأثير على التنوع الثقافي والوعي الوطني. يدعو المقال إلى إصلاح علمي يضمن حرية التفكير ويحترم التنوع.
في عهد حافظ الأسد، تم توظيف مادة الثقافة القومية بشكل كبير لتمجيد "منجزات الحركة التصحيحية" وقائدها. تولى تدريسها أساتذة محسوبون على الحزب البعثي، مما حولها في بعض الأحيان إلى عبء على الطلاب ومصدر للابتزاز بدلاً من كونها أداة للمعرفة. لم يقتصر الأمر على هذه المادة، بل امتلأت كتب التاريخ والاجتماعيات بتمجيد القائد وإنجازاته، مما حول مواد كان يفترض أن تنمي التفكير إلى مجرد حفظ ببغائي للرواية الرسمية.
بعد سقوط النظام، كان يُنتظر تحرير المدرسة من هذا الإرث، لكن التعديلات الحالية تثير مخاوف جدية من إخضاع التعليم لتوجهات دينية متشددة. لا تقتصر المسؤولية على الوزير وحده، بل تشمل اللجان والمراجعين والمعايير المتبعة والجهة المسؤولة عن المحاسبة.
كشفت مقارنات بين طبعات الكتب عن تعديلات في صور النساء، شملت إضافة الحجاب وتغيير الرسوم. المشكلة ليست في الحجاب بحد ذاته، بل في فرضه كنموذج بصري وحيد، مما يوحي بأن غير المحجبات خارج صورة الوطن. إن تنوع المجتمع السوري حقيقة لا يمكن محوها، والمدرسة التي تخفي هذا التنوع تعلم الطفل أن الانتماء مشروط بالتشابه، وأن المختلف يحتاج إلى حذف أو تصحيح، وهو ما يمثل بداية إقصاء.
تعديل صور منحوتات مصرية قديمة بإضافة ملابس غير موجودة فيها يمثل تشويهاً للمعرفة، فالمنحوتة وثيقة فنية وتاريخية. إما أن تُعرض بأمانة أو يُختار مثال آخر مناسب، أما تزوير شكلها فهو تشويه وليس تهذيباً.
حذف صورة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، يثير تساؤلات حول معايير اختزال الذاكرة الوطنية. إخضاع هذه الشخصيات لفرز طائفي يعد اعتداءً على تاريخ السوريين جميعاً. وينطبق الأمر على إزالة صورة جمال عبد الناصر؛ يمكن نقد تجربته، لكن النقد يحتاج إلى عرض وتحليل لا إلى محو. الاعتراض السياسي على القومية العربية لا يبرر تجاهل تأثيرها أو إلغاء حضورها بحذف صورة.
تقديم شهداء السادس من أيار بوصفهم متآمرين، وفقاً لتقارير عن المناهج، يستدعي مراجعة علمية علنية. لا يجوز اختزال قضيتهم في اتهام أو إعادة كتابة العلاقة مع السلطنة العثمانية بما يلائم حساسيات الحاضر. وإذا كان الهدف إرضاء تركيا، فهذا تسييس للتاريخ.
استبدال تسمية الدولة الفاطمية بـ«العبيدية» والطعن في نسب مؤسسها يمثل استفزازاً. تحويل رواية مذهبية خلافية إلى حكم مدرسي قاطع يفتقر إلى الأمانة. وظيفة الكتاب هي شرح الخلاف وأدلته، لا توريث الطلاب خصومات قديمة. للدولة الفاطمية إسهام بارز في تاريخ مصر والمنطقة، وتقييم الدول يكون بدرس تجربتها كاملة، لا بإدانتها مذهبياً وشطب منجزاتها.
إن إزالة تمجيد الأسد ضرورة، لكنها ليست تفويضاً مفتوحاً لتشويه التاريخ. المطلوب لجنة مستقلة من المؤرخين والتربويين المشهود لهم بالكفاية والنزاهة، تحت رقابة مجلس الشعب، لمراجعة التعديلات ونشر مبرراتها ووضع خطة تحديث حقيقية. يجب أن تشمل المراجعة طرائق التدريس، باستبدال التلقين بالمناقشة وتعليم الطالب مقارنة المصادر والتمييز بين الواقعة والرأي. تغيير الأسماء مع إبقاء عقلية الطاعة لن يصنع تعليماً جديداً، بل سيعيد إنتاج المأزق القديم.
المطلب الوطني هو مناهج تحترم السوريين جميعاً، وتبني عقولاً حرة، بدلاً من نقل المدرسة من عبادة الحاكم إلى التعصب والإقصاء باسم إصلاح التعليم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة