لبنان
سياسة

أوروبا في مفترق طرق: تكاليف الحروب وتحديات السيادة في عالم متغير

النهار٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٠ ص0 مشاهدة
أوروبا في مفترق طرق: تكاليف الحروب وتحديات السيادة في عالم متغير

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أوروبا في أزمة: تدفع ثمن الحروب وتفقد القدرة على تقرير مصيرها" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز أزمة أوروبا مجرد ارتفاع أسعار الطاقة أو تباطؤ النمو أو الاضطرابات السياسية الداخلية. ففي العمق، تواجه القارة معضلة تتعلق بموقعها في النظام الدولي وقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة عن الولايات المتحدة، في ظل تزايد الأعباء الاقتصادية والأمنية التي تتحملها. أوروبا اليوم تدفع ثمن حربين مختلفتين: حرب أوكرانيا، التي تعتبرها مرتبطة بأمنها القومي، والحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، التي تتحمل تداعياتها دون أن تكون شريكاً في قرارها أو طرفاً حاسماً في إنهائها. هذه المفارقة تكشف عن اختلال متزايد في العلاقة الأطلسية؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بقدرة المبادرة العسكرية وتعديل أولوياتها، بينما تجد أوروبا نفسها مطالبة بالتكيف مع نتائج قرارات لا تملك تأثيراً مماثلاً في صياغتها. تكمن الأزمة السياسية الحقيقية في أن أوروبا لا تعاني فقط من تبعيتها الاستراتيجية، بل من اتساع الفجوة بين حجم أعبائها وقدرتها على التأثير في القرارات التي تنتج تلك الأعباء.

من أزمة الطاقة إلى أزمة السيادة

منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في عام 2022، سعت أوروبا إلى إعادة بناء منظومتها الطاقوية وتقليص اعتمادها على الغاز الروسي. ورغم تحقيق تقدم في تنويع الموردين، إلا أنها انتقلت إلى اعتماد أكبر على سوق الغاز الطبيعي المسال، مما عرضها للمنافسة العالمية واضطرابات الممرات البحرية. وقد كشفت أزمة هرمز عن هشاشة هذا التحول، حيث وجدت القارة نفسها معرضة لتداعيات مواجهة عسكرية في الخليج، تؤثر على أسعار الغاز والنفط والتأمين والشحن. في قمة 15 و16 تشرين الأول، وضع القادة الأوروبيون أسعار الطاقة والقدرة التنافسية في قلب نقاشاتهم، إلى جانب أوكرانيا والدفاع والأمن، مما أظهر مدى الترابط بين الأزمات الاقتصادية والاستراتيجية. لكن القضية تتجاوز فاتورة الطاقة؛ فالاستقلال الاقتصادي لا يتحقق بمجرد تغيير المورد إذا بقيت الدولة عاجزة عن التأثير في الظروف السياسية والعسكرية التي تحدد أسعار وارداتها. لقد نجحت أوروبا نسبيًا في تنويع مصادر الطاقة، لكنها لم تحقق استقلالًا مماثلًا عن الصدمات الجيوسياسية، فانتقلت من مشكلة الاعتماد على مورد محدد إلى مشكلة التعرض لأسواق عالمية تتحكم فيها قوى وصراعات خارج نطاق القرار الأوروبي.

واشنطن تقرر وأوروبا تتحمل النتائج

يبرز التناقض الأطلسي بوضوح في قرار الإدارة الأميركية تخفيف العقوبات مؤقتاً عن الديزل الروسي، وهو ما عبّر المجلس الأوروبي رسمياً عن أسفه حياله في تشرين الأول. فبينما تواصل أوروبا دعم أوكرانيا وتشديد الضغوط الاقتصادية على موسكو، تسعى واشنطن لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة على أسواقها الداخلية. من منظور أميركي، يمكن تفسير هذه السياسة بمحاولة الموازنة بين أدوات الضغط على روسيا ومتطلبات استقرار أسعار الوقود. أما أوروبيًا، فإنها تطرح مشكلة استراتيجية: كيف يمكن بناء سياسة عقوبات طويلة الأمد إذا كان الشريك الأقوى قادرًا على تعديل بعض قواعدها عندما تتعارض مع أولوياته الداخلية؟ هذا لا يعني تفكك التحالف الغربي أو انتهاء التعاون بشأن أوكرانيا، لكنه يكشف أن المصالح الأميركية والأوروبية ليست متطابقة دائمًا، حتى عندما تتفق العواصم على الأهداف العامة. الأخطر بالنسبة لأوروبا أن هذا التباعد يحدث في وقت لا تزال فيه تعتمد على الولايات المتحدة في جوانب حاسمة من أمنها العسكري، مما يشكل علاقة غير متوازنة: تحتاج أوروبا إلى واشنطن لحماية أمنها، لكنها لا تستطيع ضمان تطابق القرارات الأميركية مع أولوياتها الاقتصادية والاستراتيجية.

أزمة أوروبا السياسية: من يدفع ثمن الأمن؟

تتجلى الأزمة الأوروبية بصورة أكثر خطورة عندما تنتقل كلفة التوترات الدولية إلى السياسة الداخلية. فالحكومات مطالبة اليوم بزيادة الإنفاق الدفاعي، ومواصلة تمويل أوكرانيا، وحماية اقتصاداتها من ارتفاع الطاقة، وإدارة أعباء الدين والإنفاق الاجتماعي، في وقت تواجه فيه قطاعات واسعة من المجتمعات الأوروبية ضغوطًا متزايدة على القدرة الشرائية والخدمات العامة. هنا، لا يعود السؤال اقتصاديًا فقط، بل يصبح سؤالًا عن شرعية الخيارات السياسية وأولويات الإنفاق. في ألمانيا، يواجه الوسط المحافظ منافسة متصاعدة من حزب

شارك الخبر: