رفيق الحريري: حلمٌ استثنائي للبنان.. ماذا لو استمر؟


هذا الخبر بعنوان "ماذا لو بقي رفيق الحريري؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ذكرى ميلاده، يتجاوز الحديث عن الرئيس رفيق الحريري الجوانب السياسية ليلامس حلمه الذي ربما مرّ سريعاً على لبنان. في الأول من تشرين الثاني، ومع كل عام، يتجدد السؤال ليس فقط عما حققه الرجل، بل عما كان يمكن أن ينجزه لو بقي بيننا. سؤال "ماذا لو بقي رفيق الحريري؟" يحمل في طياته حنيناً عميقاً وتساؤلات جوهرية عن مصير لبنان نفسه. لا يعني ذلك أن رجلاً واحداً يصنع وطناً، أو أن تجربة الحريري السياسية والاقتصادية كانت خالية من النقاش، بل أن حضوره ارتبط بمرحلة مفصلية حاول فيها لبنان الانتقال من الحرب إلى الدولة، ومن الدمار إلى الإعمار، ومن العزلة إلى استعادة مكانته العربية والدولية.
برز رفيق الحريري في المشهد السياسي اللبناني قادماً من خارج تقاليده المعهودة، لم يكن منتمياً للميليشيات ولم يبنِ مجده على جبهات القتال. جاء بفكرة مختلفة مفادها أن إعادة بناء لبنان لا تقتصر على البنية التحتية، بل تبدأ بإعادة بناء الثقة بالوطن والإنسان اللبناني. عند توليه رئاسة الحكومة عام 1992، كان لبنان يخرج من حرب أهلية طويلة، يعاني من دمار بنيته التحتية، واقتصاد منهك، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة تأهيل. شهد عهده ورشة واسعة لإعادة تأهيل الطرق، الكهرباء، المياه، الاتصالات، والبنى التحتية، فيما بدأت بيروت تستعيد تدريجياً دورها الاقتصادي والعمراني. قد يختلف اللبنانيون حول النموذج الاقتصادي الذي اعتمده، أو حول تكلفة الإعمار والدين العام وسياسات تلك المرحلة، وهو نقاش مشروع وضروري. إلا أنه من الصعب فصل تجربة الحريري عن محاولة إعادة لبنان إلى خريطة الاقتصاد والاستثمار والعلاقات الدولية بعد سنوات طويلة من الحرب.
كان يطمح لبيروت أن تكون عاصمة تليق بتاريخها، مدينة للأعمال، الثقافة، السياحة، الجامعات، والصحافة. رأى أن لبنان، بصغر مساحته، لا يستطيع المنافسة بثروات طبيعية ضخمة، بل بالإنسان القادر على التعلم، الإبداع، السفر، والعودة بخبراته. لهذا، ربما كان التعليم أحد أبرز محاور مشروعه. قبل توليه رئاسة الحكومة بسنوات، أسس مؤسسة الحريري عام 1979، وأطلق برنامجاً واسعاً للمنح التعليمية استفاد منه عشرات الآلاف من الطلاب اللبنانيين للدراسة في لبنان وخارجه. في الجنوب، حمل مشروع كفرفالوس رؤية طموحة لمجمع تعليمي وصحي واجتماعي متكامل، استثماراً في العقل اللبناني الذي لا يُقصف ولا يُهدم. أما صيدا، مسقط رأسه، فلم تكن مجرد مدينة، بل كانت الجذور والمكان الذي ظل يعود إليه. شهدت المدينة ومحيطها مشاريع في التعليم، الصحة، الرياضة، الثقافة، والبنى التحتية، كأن الرجل الذي أراد إعادة إعمار لبنان لم ينسَ أبداً الشارع الأول الذي خرج منه.
لم يكن رفيق الحريري مجرد رجل إعمار واقتصاد، بل أدرك أن لبنان، بتركيبته وموقعه، يحتاج إلى الدبلوماسية بقدر حاجته للسياسة. كان يتحرك خارج حدوده، مستفيداً من شبكة علاقاته العربية والدولية للدفاع عن الموقف اللبناني وحشد الدعم السياسي والاقتصادي، خاصة في المحطات الصعبة مثل عدوان نيسان 1996، حيث برزت قدرته على الاتصال بالعواصم المؤثرة بحثاً عن وقف لإطلاق النار وحماية للبنان. أمام ما يعيشه لبنان اليوم، يبرز سؤال مؤلم: هل كان الجنوب سيعيش ما يعيشه من حرب واحتلال إسرائيلي لو كان رفيق الحريري بيننا؟ لا يمكن الجزم بما كان سيحدث، لكن الحريري أثبت فعالية استثنائية في توظيف علاقاته الدولية لمصلحة لبنان واستقراره.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة أكبر: ماذا لو لم يُغتل في الرابع عشر من شباط 2005؟ لا أحد يستطيع كتابة التاريخ الذي لم يحدث، ولا يمكن الجزم بكيفية تعامله مع الأزمات والحروب والانقسامات والانهيارات التي شهدها لبنان بعد رحيله. لكن المؤكد أن رفيق الحريري كان يؤمن بأن لبنان قابل للنهوض. رجل جاء إلى بلد خارج من حرب أهلية، رأى في الخراب ما يمكن بناؤه، وأرسل آلاف الشباب إلى الجامعات، وتخيل بيروت من جديد مدينة تحتضن العالم. لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل مشروع سياسي واقتصادي وإنمائي له إنجازاته وإخفاقاته. يبقى تقييم تجربته جزءاً من النقاش اللبناني. لكن في ذكرى ميلاده، يتجاوز الحديث السياسة ليلامس حلمه. ربما كان رفيق الحريري حلماً مرّ سريعاً على لبنان، لكن الأجمل والأكثر وجعاً أن لبنان نفسه كان حلم رفيق الحريري. ولهذا، يبقى السؤال مفتوحاً: ماذا لو بقي رفيق الحريري؟ ربما لا يكون السؤال الحقيقي ماذا كان سيفعل هو لو بقي، بل ماذا كان يمكن أن يصبح لبنان لو بقي الحلم.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة