سباق عسكري ودبلوماسي بين واشنطن وطهران: لبنان في قلب التجاذبات الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "مقدمات نشرات الأخبار المسائية" نشر أولاً على موقع المركزية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الأنظار نحو السباق المحتدم بين الخيارات العسكرية والدبلوماسية على المسار الأمريكي - الإيراني، حيث تتبنى واشنطن سياسة الترغيب والترهيب تجاه طهران، والتي تقابلها رسائل إيرانية لا تقل شأناً. وبينما تستعد القوى المتصارعة لجولة محتملة جديدة من القتال، يشهد المسار الدبلوماسي نشاطاً ملحوظاً من قبل الوسطاء، يتقدمهم القطريون. وقد قام وفد قطري بزيارة لطهران وعاد ومعه مفاوضون إيرانيون لاستكمال المحادثات، التي لا يُستبعد أن يلتحق بها وفد أمريكي بعد تحقيق اختراقات، حسب تقارير إعلامية.
عززت التقارير الإعلامية الأمريكية حول الاختراقات، إعلان الوسيط الباكستاني عبر بيان لجيشه عن وجود تفاؤل حذر ومؤشرات إيجابية، يعكسها تكرار زيارة الجنرال عاصم منير لطهران. ورغم ذلك، لا تزال المفاوضات تواجه عقبات، أبرزها إصرار إدارة الرئيس دونالد ترامب على تقديم إيران تنازلات نووية، مقابل اشتراط طهران رفع الحصار البحري الأمريكي، والإفراج عن الأرصدة المجمدة، والسماح ببيع النفط.
في غضون ذلك، تواصل واشنطن ضخ أجواء حرب عبر مسؤولين ووسائل إعلام، وصل بها الأمر إلى تحديد موعد لبدء الضربات العسكرية لإيران في الرابع من الشهر المقبل، بعد انتهاء الانتخابات النصفية الأمريكية. وأكدت تقارير إعلامية أمريكية أن ترامب قد يأمر بعملية عسكرية إذا خسر الجمهوريون، وهو ما يدفعه إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
في المقابل، أطلق مرشد الجمهورية الإسلامية، السيد مجتبى خامنئي، رسائل قوية بعد اجتماع مع كبار قادة القوات المسلحة، داعياً إلى مواجهة كل مستوى من مستويات التهديد برد فوري وفاعل ومن دون أي قيود جغرافية، مؤكداً أن وحدة الساحات تمثل متغيراً حاسماً في رسم ملامح النظام السياسي والأمني الجديد في غربي آسيا. وأشار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى أن الخطوط الحمراء التي كانت تُراعى أصبحت من الماضي.
على الصعيد اللبناني، تتصاعد الاعتداءات الإسرائيلية بوتيرتها، حيث شن الطيران الحربي المعادي غارات كثيفة على مناطق جنوبية عدة، مستهدفاً منازل سكنية، بالتوازي مع قصف مدفعي لمناطق أخرى، واستمرار تحليق الطائرات المسيرة في الأجواء اللبنانية وصولاً إلى بيروت وضواحيها الجنوبية.
تتسم الصورة بالالتباس والضبابية حول حقيقة الحرب أو السلم بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالمحادثات بين أمريكا وإيران لم تنقطع، وقطر تتولى المفاوضات غير المباشرة، فيما شكلت إيران لجاناً لمناقشة المقترحات الأمريكية بشأن برنامجها النووي. في المقابل، تقرع طبول الحرب، حيث يضغط بنيامين نتنياهو على دونالد ترامب لشن عملية عسكرية ضد إيران بعد الانتخابات النصفية. ودعا المرشد الإيراني مجتبى خامنئي القادة العسكريين إلى الرد على تهديدات العدو دون قيود جغرافية، مما يعني تلويح إيران بقصف أي دولة إقليمية تعتبر أنها تنسق مع أمريكا وإسرائيل. كما دعا إلى تفعيل وحدة الساحات عند بدء الحرب، أي مشاركة حزب الله في القتال.
في لبنان، تتوزع الهموم بين الحدود والعاصمة. ففي الجنوب، تشهد المنطقة غارات وقصف وتفجيرات ومسيّرات انتحارية إسرائيلية وتوغلات. أما في بيروت، فيستمر حزب الله في التذرع بشعارات المقاومة لتبرير نقل متفجرات، مما يثير تساؤلات حول وجهة استعمالها ومخاوف من استخدامها لأغراض إرهابية، نظراً لتاريخه الحافل بالعمليات الأمنية والاغتيالات. أمام هذا الواقع، تواجه الحكومة استحقاقاً مصيرياً يتمثل في فرض سلطتها وتنفيذ قرار حصرية السلاح، وإلا ستترسخ صورتها كحكومة أقوال لا أفعال.
بعد الانتخابات الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى الانتخابات النصفية الأمريكية التي ستختبر موازين القوى في الكونغرس. وبين صناديق الاقتراع الأمريكية وجبهات المنطقة، يبرز سؤال حول ما إذا كان انتهاء الاستحقاق الانتخابي سيفتح باب التسويات أم يرفع القيود عن تصعيد مؤجل. يزيد كلام ترامب من التباس المشهد، حيث ينفي التفاوض بشأن إيران ثم يتحدث عن محادثات ورغبة إيرانية في الاتفاق، ويبشر بقرب انتهاء الحرب فيما يبقي احتمال الضربات الجديدة مفتوحاً. تصريحات متبدلة تجعل التمييز صعباً بين رسائل الضغط الانتخابي ومؤشرات القرار الفعلي.
في موازاة هذا الخطاب، تتحرك الوساطات حول الورقة الأمريكية التي حملتها رسالة نائب الرئيس جي دي فانس، المتعلقة بإطار محتمل للتفاوض. لكن طهران تتمسك بشروطها، وبين أولوية التنازلات النووية لدى واشنطن وأولوية رفع الضغوط لدى إيران، تبقى العقدة في ترتيب الخطوات والضمانات التي تسمح بالانتقال من تبادل الرسائل إلى اتفاق قابل للتنفيذ. أما لبنان، فينتظر معرفة موقعه من أي تفاهم محتمل، فيما الجنوب يدفع ثمن الانتظار. وتتساءل السلطة عن الضمانات لاستعادة الأرض وحماية الناس، وعن المسار الواضح لإنهاء الاحتلال وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة. وفي الداخل، يطرح ملف متفجرات ضهر البيدر اختباراً لصدقية السلطة، وسط معلومات عن تسوية لاحتواء تداعيات القضية.
في لبنان، تشتعل أزمة الكهرباء مع تحذيرات وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان بعدم توفير التيار لمن لا يدفع. وفيما تضيق المهل، لا خيار أمام المؤسسات سوى الدفع لتجنب قطع التيار. وفي هذا السياق، يُنظر إلى هذا التحذير كاستفاقة متأخرة للإدارات الرسمية للاستجابة لالتزاماتها، على أن تكون مثالاً للمواطن الذي يدفع فيما مؤسساته تتلكأ. وفي الوقت الذي تقرع فيه طبول الكهرباء في لبنان، تقرع طبول الحرب في المنطقة، حيث حذر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي الولايات المتحدة وإسرائيل من شن هجمات جديدة، موجهاً توجيهات بالرد "من دون قيود جغرافية" على التهديدات. يأتي تحذيره بعد تهديدات واشنطن وإسرائيل باستئناف الضربات عقب الانتخابات. الرئيس ترامب يوحي بأن الحرب هي الناخب الأكبر في الانتخابات النصفية، بينما يعلن وزير خارجيته ماركو روبيو أن أمريكا منفتحة على حل دبلوماسي للحرب مع إيران. وبين واشنطن وطهران، يسابق الوسطاء الوقت تفادياً لحرب يراها كثيرون حتمية. فقد أجرى مفاوضون إيرانيون محادثات في الدوحة مع وسطاء قطريين لبحث سبل إنهاء الحرب في الخليج، في وقت يسعى فيه دبلوماسيون لتفادي اندلاع جولة جديدة من القتال بعد الانتخابات النصفية الأمريكية. وفي المقابل، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عدم وجود خطط لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، وسط تزايد المخاوف من استئناف الحرب.
طوت إسرائيل أوراق انتخاباتِها وعادت لتفتح صفحة التصعيد، مستأنفةً غاراتِها جنوباً في جولة نارية امتدت من النبطية الفوقا وكفرتبنيت وصولاً إلى طلّوسة وبرعشيت، على وقع أزيز الطائرات المسيرة فوق صور والجنوب عموماً. عودة النشاط الميداني تتزامن مع بقاء المراوحة على خطوط السياسة والمفاوضات، وحلول الانتظار ضيفاً ثقيلاً على الملفات الداخلية. والمسار اللبناني، بانتظاره واحتمالات اشتعاله أو هدوئه، مرتبط بمسار المنطقة. وتتوازى الاحتمالات بين تفاوض بجهود الوسطاء وتهديدات تنذر بعودة الحرب. واستباقاً لمسار الأيام القادمة، أصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي توجيهات عسكرية واستراتيجية لكبار قادة القوات المسلحة، تضمنت دعوة للرد الفوري والمباشر على أي تهديد دون قيود جغرافية، وتحديث بنك الأهداف العسكرية. وأعاد المرشد التذكير بوحدة الساحات كعامل حاسم في تشكيل النظام السياسي والأمني الجديد في غرب آسيا. ويتجلى بيت القصيد في كلام المرشد الأعلى، حيث كان واضحاً أن القرار بيده على قاعدة أن الأمر له في ساحات تجمع حزب الله في لبنان وكتائبه في العراق والحوثيين في اليمن. وعلى الضفة الدبلوماسية، توجه وفد إيراني إلى الدوحة لاستكمال مسار المحادثات، على وقع كلام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي أعلن أن طهران دققت بعناية في الرسالة التي أرسلها نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس، وأن الموضوع جرى بحثه في اجتماعات على أعلى المستويات، واصفاً محاولة واشنطن فتح مسار أوسع للحوار والتفاهم بالخطوة الإيجابية. وكان لبنان حاضراً في كلام عراقجي، حيث طالب بوقف الحرب وإنهاءها على جميع الجبهات بما فيها لبنان.
في المقابل، وبينما تتوالى التسريبات بشأن خطط ترامب لشن ضربات عسكرية فور انتهاء الانتخابات النصفية، أعلن الرئيس الأمريكي أنه قد نشهد اتفاق سلام كبير خلال قمة العشرين يشمل روسيا وأوكرانيا وإيران. وتولى وزير خارجيته ماركو روبيو استكمال الجملة السلمية بالقول إن واشنطن منفتحة على حل دبلوماسي مع إيران. وعلى حافة الحرب تقف المنطقة، وفي موازاتها نافذة تفاوض مفتوحة لكنها محاطة بحسابات معقدة. مساران متقابلان يتسابقان على رسم المرحلة المقبلة، وقنوات الوساطة تتحرك بين طهران والدوحة، في مؤشرات توحي بأن خلف التصعيد العلني مساراً تفاوضياً لم تغلق أبوابه بعد. وفي معلومات من واشنطن، فإن الصفقة، إن تمت، سترفع نسبة نجاح الجمهوريين في الانتخابات، وإن لم تتم، ستعطي ترامب حجة للعودة إلى الحرب عند انتهاء الاستحقاق الانتخابي.
فوق كل ضجيج التهديدات وتزاحم السيناريوهات، حسم قائد الثورة الإسلامية الإيرانية، آية الله السيد مجتبى خامنئي، صورة المرحلة إن أخطأ العدو الحسابات: فالرد الإيراني سيكون فورياً وفاعلاً على أي مستوى من مستويات التهديد، وبلا قيود جغرافية. هكذا وجه قائد الثورة الإسلامية قادة القوة المسلحة الإيرانية الذين التقاهم في توقيت ورسالة استراتيجية. أما زمان انتهاء أي هجمات عسكرية أو إرهابية قد يستأنفها الأعداء، فسيحدده الشعب والقوات المسلحة الإيرانية، وما تم تحديده من بنك للأهداف سيتم تحديثه بما يتيح وضع مختلف أنواع الأصول المادية وغير المادية للعدو الأمريكي - الصهيوني في مرمى نيران القوات المسلحة. وفي مرمى الجمهورية الإسلامية الإيرانية السياسي، ملامح نظام جديد للمنطقة قائم من تجربة وحدة الساحات وقدرة صمود جبهة المقاومة الواعية في مختلف البلدان، على أن يكون هذا النظام المرجو تمهيداً لتأسيس الحضارة الإسلامية الجديدة بأيدي شعوب الدول الإسلامية وحكوماتها.
مع رسم آية الله السيد خامنئي لأوضح مشهد أراد البعض تشويشه بالحديث عن حرب محسومة أو اتفاقات منجزة، فإن الحكومة الإيرانية وقادتها العسكريين والسياسيين أوضحوا الاستعداد لكل السيناريوهات. وإن لم ينفوا المساعي الحثيثة للوسطاء في محاولة تحقيق اختراقات تفاوضية، فإنه لا شيء محسوم حتى الآن كما قالوا. وجرى بحث رسالة "جي دي فينس" على أعلى المستويات، ويجري تقييم الرد عليها، دون استبعاد الخارجية الإيرانية قيام العدو بمغامرات عسكرية جديدة، قد استعد لها الإيرانيون جيداً عبر تحديث الأسلحة، وعلاج نقاط الضعف، واختبار أسلحة جديدة، بحسب الوزير عباس عرقجي.
في لبنان، لا حسابات لدى المعنيين توازي مستوى التحديات، فالإفلاس السياسي والتفاوضي والاقتصادي والإصلاحي زاد الغرق في مستنقعات الأوامر الخارجية والأحقاد الداخلية. وتبقى أصوات المسيّرات والانفجارات والغارات جنوباً فوق كل الجعجعات الداخلية والإملاءات الخارجية، وزاد من إيلامها اليوم تكثيف استهداف المنازل في برعشيت وميفدون. أما المقاومة وأهلها، فلن يعطلهم عن واجبهم الوطني بالدفاع عن أرضهم وسيادتهم، استهداف رجالهم وذخائرهم بادعاء قضائي في محكمة عسكرية، أو ادعاءات سياسية تريد تحويل ذخيرة المقاومة المعتقلة في ضهر البيدر إلى مواد لتعويم أحقادهم التاريخية، فيما ادعاءاتهم ببناء الدولة انفجرت بها العتمة التي استحالت سمة السلطة، وشظت أفرقاءها، وباتت واقعاً كارثياً يطرق أبواب مرافق الدولة، لا سيما المطار، الذي لم تهدده الطائرات المدنية الإيرانية، كما يزعمون، بل عتمة حزب القوات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة