لبنان
سياسة

بعد انتهاء مهلة الـ60 يومًا: هل تمنع عوامل الردع حربًا أمريكية إيرانية جديدة؟

النهار٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٠ م0 مشاهدة
بعد انتهاء مهلة الـ60 يومًا: هل تمنع عوامل الردع حربًا أمريكية إيرانية جديدة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "انتهت مهلة الـ60 يوماً بين أميركا وإيران... ما الذي يمنع عودة الحرب؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

انتهت المهلة المحددة بـ60 يومًا بين الولايات المتحدة وإيران دون التوصل إلى تسوية نهائية. يطرح هذا الوضع تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب قد خلقت رادعًا يمنع جولة جديدة من المواجهة، أم أن الملفات العالقة مثل البرنامج النووي، ومضيق هرمز، والحصار الاقتصادي، تبقي أبواب الصراع مفتوحة.

في 31 يوليو 2026، أقلعت مقاتلة أمريكية من حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، في مشهد يعكس التوتر المستمر. كانت طهران قد سبقت انتهاء المهلة باستبعادها التفاوض على تمديدها، وهو ما أكده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا. بقيت القضايا الرئيسية، بما في ذلك البرنامج النووي، والعقوبات، ومضيق هرمز، والحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، دون حل، بينما ظلت الحرب الشاملة معلقة.

السؤال المطروح هو: ما الذي يمنع اندلاع حرب واسعة؟ قد تبدو الإجابة واضحة عند النظر إلى التكاليف الباهظة للحرب على الطرفين، والخسائر التي تكبداها، وارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف بعض المخزونات العسكرية الأمريكية، والضغوط الاقتصادية الهائلة على إيران. ومع ذلك، فإن التدقيق في كل عامل على حدة يكشف صورة أقل اطمئنانًا، حيث أن معظم هذه العوامل تزيد من تكلفة الحرب، بينما يصعب اعتبار أي منها حاجزًا قاطعًا لمنعها.

هل خلقت الحرب رادعًا متبادلًا؟

يُعد التفسير الأقوى لاستمرار الوضع الراهن هو أن خمسة أشهر ونصف من المواجهة كشفت لكل من واشنطن وطهران عن قدرات الطرف الآخر وعن الثمن الذي سيدفع في حال توسيع نطاق الحرب. أثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرتهما على ضرب أهداف عميقة داخل إيران، بما في ذلك مواقع عسكرية ونووية وبنى تحتية حساسة. كما فرضت واشنطن حصارًا بحريًا تعلن قدرتها على استمراره "إلى أجل غير مسمى" من خلال التناوب على قطعها البحرية في المنطقة.

من جانبها، أظهرت إيران قدرة على نقل عبء الحرب إلى خارج حدودها، حيث تعطلت حركة الطاقة عبر مضيق هرمز، وتعرضت قواعد ومصالح أمريكية وحلفاء واشنطن لضربات، واتسعت ساحة المواجهة لتشمل الخليج والبحر الأحمر والعراق ولبنان. تصف مصادر مطلعة على الاستراتيجية الإيرانية تحركات طهران الأخيرة بأنها "تصعيد محسوب" يهدف إلى جعل احتواء إيران أكثر تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها.

يمكن لهذه التجربة أن تؤدي إلى ردع متبادل، بعد أن أصبح كل طرف يدرك قدرة الآخر على إلحاق الأذى به. لكنها قد تؤدي أيضًا إلى نتيجة عكسية. إذا خرجت طهران من الأشهر الماضية مقتنعة بأن واشنطن عاجزة عن فرض استسلامها رغم تفوقها العسكري، بينما خرجت واشنطن مقتنعة بأن الضربات والحصار يضعفان إيران تدريجيًا، فقد يصبح لدى الطرفين دافع لمواصلة الضغط، مما قد يؤدي إلى مواجهة حول قدرة كل منهما على تحمل الاستنزاف لفترة أطول.

تُظهر القيادة الإيرانية ميلًا متزايدًا نحو هذا الرهان، حيث تحدث نائب قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية، العميد يدالله جواني، عن الانتقال إلى وضع عسكري "هجومي بالكامل" إذا فشلت الدبلوماسية. كما أشارت مصادر إيرانية إلى أن طهران "قد تتحرك عسكريًا لكسر الحصار إذا استمرت واشنطن في رفض شروطها". هذا يعني أن إيران تحاول إقناع واشنطن بأن استمرار الوضع الحالي يحمل خطرًا متزايدًا، وأن الوقت لن يعمل بالضرورة لصالح الحصار والعقوبات.

مضيق هرمز: مانع للحرب أم سبب لها؟

يمثل مضيق هرمز أقوى ورقة إيرانية وأخطر نقطة احتكاك في الوقت نفسه. قبل الحرب، كانت نحو 18 مليون برميل يوميًا تمر عبر المضيق، لكن هذا الرقم تراجع مؤخرًا إلى نحو مليوني برميل يوميًا، وفقًا لبيانات نقلتها "رويترز". استقرت أسعار النفط قرب 90 دولارًا للبرميل بعد أن بدأ السوق يتكيف مع أزمة طويلة.

هذه الأرقام لها تأثير مزدوج. بالنسبة لترامب، قد تؤدي إعادة إشعال حرب كبيرة إلى موجة جديدة من الهجمات على الممرات والمنشآت النفطية، مما يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. يُعد ارتفاع أسعار البنزين قضية سياسية داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات الكونغرس في نوفمبر، على الرغم من نفي ترامب أن تكون الانتخابات عاملاً في قراراته حيال إيران.

من ناحية أخرى، فإن استمرار الوضع الحالي يحمل تكلفة أمريكية أيضًا. قبول بقاء هرمز خاضعًا لمعادلة تستطيع إيران فيها تحديد شروط المرور أو تعطيله يمنح طهران مكسبًا استراتيجيًا يتجاوز الحرب نفسها. وهذا يفسر حدة النزاع حول الجهة التي تدير حركة الملاحة. أعلنت إيران أن المضيق "تحت سيطرتها وإدارتها"، وربطت فتحه بتنفيذ مطالبها، بينما تؤكد واشنطن سيطرتها عليه وتتمسك باعتباره ممرًا دوليًا.

كل يوم يمر دون تسوية يرسخ وقائع جديدة. قد تتحول ورقة هرمز من عامل يدفع ترامب إلى تجنب الحرب إلى عامل يدفعه نحو مزيد من القوة إذا اقتنع بأن الزمن يثبت معادلة إيرانية يصعب تفكيكها لاحقًا. أما طهران، فتواجه مفارقة موازية؛ فنجاح هرمز في إيذاء الاقتصاد العالمي يعزز موقعها التفاوضي، لكن استمرار الأزمة يسمح للأسواق والدول المستوردة للطاقة ببناء بدائل والتكيف تدريجيًا. كلما طال أمد الأزمة، قد تتراجع قوة الصدمة التي بنت عليها إيران جزءًا مهمًا من ردعها.

في 15 يونيو 2026، ظهرت سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في عُمان.

أمريكا تملك القوة... لكن بأي كلفة؟

يظهر عامل آخر في الحسابات الأمريكية يتعلق بالذخائر. خلال الحرب، استُهلكت كميات ضخمة من الصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي. أشارت مصادر لـ"رويترز" إلى أن الجيش الأمريكي "استخدم تقريبًا كل مخزونه المتاح" من بعض الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، فيما تعرضت مخزونات "باتريوت" و"ثاد" و"توماهوك" لضغط كبير. القرار الأمريكي الأخير بمنح "رايثيون" عقدًا بقيمة 22.9 مليار دولار لزيادة إنتاج صواريخ "توماهوك" من نحو 60 صاروخًا سنويًا إلى أكثر من 1000 مستقبلاً، يعطي مؤشرًا على حجم المشكلة التي تريد واشنطن معالجتها.

قد يرجح هذا العامل الحذر في المدى القريب، خصوصًا أن البنتاغون يحتاج إلى الاحتفاظ بمخزونات تكفي لسيناريوهات أخرى، وفي مقدمتها آسيا. لكن محدودية بعض الذخائر لا تلغي القدرة الأمريكية على شن ضربات جديدة. وقد تدفع إلى تغيير طبيعتها عبر حملات أقصر، وأهداف أكثر انتقائية، واستخدام أكبر للطائرات المأهولة أو الأسلحة المتوفرة، بدلاً من تكرار النمط نفسه الذي استُخدم خلال الأشهر الماضية. لذلك، يبدو الاستنزاف العسكري عاملاً في حساب توقيت الحرب وشكلها أكثر منه ضمانة ضد اندلاعها.

إيران أيضًا تحتاج إلى الوقت

تحمل الحسابات الإيرانية قيودًا لا تقل أهمية. بعد أشهر من الحرب والحصار، يعيش الاقتصاد ضغطًا شديدًا. ونُقل عن مصادر ومسؤولين إيرانيين مخاوف متزايدة داخل القيادة من أن تؤدي العقوبات والحصار إلى "تفجر اضطرابات داخلية" جديدة. يبلغ التضخم السنوي نحو 66%، فيما تضررت التجارة وفرص العمل والبنى التحتية بشدة.

عودة حملة جوية أمريكية واسعة ستضيف كلفة كبيرة إلى بلد يحاول في الوقت نفسه إعادة ترتيب مؤسساته العسكرية وإصلاح قدراته المتضررة واحتواء أزمة داخلية. لذلك، تمتلك طهران أسبابًا قوية لتفادي المواجهة الشاملة حاليًا. لكن الضغط الاقتصادي نفسه قد يقود إلى حساب مختلف إذا شعرت القيادة بأن الحصار قابل للاستمرار لسنوات، بينما فرص تخفيفه تتضاءل. وقد ترى عندها أن قبول استنزاف بطيء أكثر كلفة من مخاطرة عسكرية يمكن أن تفرض تفاوضًا بشروط أفضل. هذه هي المعضلة التي تجعل سياسة الضغط القصوى قابلة لنتيجتين متناقضتين: قد تدفع إيران إلى التسوية، وقد تقنعها بأن انتظار مزيد من العقوبات أسوأ من التصعيد.

في 17 أغسطس 2026، حمل صرّاف أوراقًا نقدية من الريال الإيراني في بازار طهران الكبير.

العقدة النووية بقيت مفتوحة

وراء مضيق هرمز والعقوبات، توجد القضية التي بدأت منها المواجهة أساسًا. قال ترامب صراحة إن إيران "لن تقبل الاتفاق" الذي يعتبره ضروريًا، وأعاد التأكيد أن هدفه الأساسي منعها من امتلاك سلاح نووي. المشكلة أن صورة البرنامج النووي بعد أشهر من الضربات لا تزال ضبابية. فقدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قدرتها على معرفة مواقع ومواد نووية مهمة، ولم تحصل على صورة مكتملة لمصير مخزون اليورانيوم المخصب، بما فيه المواد المخصبة إلى 60%.

هذا الغموض يختلف عن خلاف سياسي يمكن تركه سنوات. إذا ظهرت معلومات استخبارية تشير إلى إعادة بناء منشأة تخصيب، أو نقل مواد إلى موقع جديد، أو اقتراب إيران من قدرة تراها واشنطن أو إسرائيل غير مقبولة، فقد يصبح عامل الوقت حجة لمصلحة الضربة بدلاً من أن يكون عاملاً للتهدئة. وفي اجتماع ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أواخر يوليو، بقي الخيار العسكري ضمن ثلاثة مسارات نوقشت حيال إيران إلى جانب الاتفاق واستمرار الضغط الاقتصادي والحصار. المسؤول الإسرائيلي الذي كشف تفاصيل الاجتماع قال إن نتنياهو لم يطلب اعتماد الضربة كخيار مفضل في تلك اللحظة، لكن القوة بقيت مطروحة بوضوح.

إسرائيل قادرة على تغيير الحسابات

تدخل مشكلة إضافية هنا. واشنطن قد تقرر أن كلفة الحرب مرتفعة وأن الحصار والعقوبات يحققان غرضهما. طهران قد تضبط تصعيدها تحت مستوى يستدعي حملة أمريكية واسعة. استمرار هذا التوازن يحتاج إلى قبول إسرائيل بالانتظار، وهذا غير مضمون. أبدت إسرائيل تحفظًا منذ توقيع مذكرة يونيو على مضمونها، واعتبرت أنها لم تعالج البرنامج النووي الإيراني بالعمق الذي تريده. كما أكدت سابقًا أن أي اتفاق مقبول يجب أن يشمل تفكيك البنية النووية الإيرانية.

أي تقدير إسرائيلي بأن إيران تستعيد قدرتها النووية أو الصاروخية بسرعة يمكن أن يضع ترامب أمام واقع جديد بعد ضربة إسرائيلية، بدلاً من أن يترك له حرية اختيار توقيت الحرب. وهذا أحد الفوارق الأساسية بين الوضع الحالي ووقف نار مستقر. القرار موزع بين أكثر من لاعب، ولكل منهم خطوط حمراء مختلفة.

فما الذي يمنع الحرب؟

بعد اختبار هذه العوامل، تظهر مجموعة قوية من الأسباب التي تدفع الجميع إلى الحذر. تواجه واشنطن تكلفة نفطية واقتصادية ومخزونًا عسكريًا يحتاج إلى التعويض. إيران تواجه اقتصادًا منهكًا، وضغطًا اجتماعيًا، وحصارًا، وقدرات تعرضت لضربات قاسية. دول الخليج تخشى أن تتحول منشآتها وممراتها البحرية إلى ساحات حرب مجددًا. الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي تصعيد جديد. وهناك قنوات وساطة لم تختف تمامًا، إذ تواصلت الرسائل خلال الأيام الماضية عبر باكستان وقطر، إلى جانب التحرك العماني بشأن هرمز.

هذه مجموعة كبيرة من القيود. لكن انتهاء المهلة يكشف مشكلة أخرى: أياً من الخلافات الكبرى لم يصل إلى حل. موقف الطرفين من النووي متباعد، والحصار قائم، وهرمز تحول إلى نزاع على السيادة والنفوذ، وطهران تلوح بتحرك هجومي، وواشنطن تقول إنها تستطيع إبقاء الضغط البحري إلى أجل غير محدد. لهذا، قد يكون ما يمنع الحرب اليوم هو اقتناع كل طرف بأن هذه اللحظة ليست الأنسب لشنها. وهذا يختلف كثيرًا عن وجود معادلة تمنع الحرب نفسها.

الخطر يبدأ إذا تغير تقدير واحد، سواء رأت واشنطن أن الحصار لم يعد كافيًا، أو رأت إيران أن الانتظار يضعف أوراقها، أو رأت إسرائيل أن الزمن يسمح لطهران باستعادة قدرة تعتبرها خطرًا وجوديًا. وعندها يصبح انتهاء المهلة أكثر من مجرد استحقاق دبلوماسي، إذ تكون آخر مظلة سياسية لضبط التصعيد قد سقطت فيما بقيت أسباب المواجهة قائمة. وقد يكون الطرف الذي يفتح الباب أمام الجولة المقبلة هو أول من يقتنع بأن كلفة الحرب أصبحت أقل من كلفة الانتظار.

شارك الخبر: