«سحور أفعى الثوم»: رحلة بين الواقع والخيال في رواية جوان قادو الأولى


هذا الخبر بعنوان "سحور أفعى الثوم: مزيج الأحلام والواقع الخام" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ العنوان الغامض والملفت «سحور أفعى الثوم» بمثابة البوابة لرواية (نوفيلا) الشاعر الكردي جوان قادو، وهو عمله الروائي الأول. قام الشاعر والمترجم جوان تتر بنقل الرواية من اللغة الكردية إلى العربية، وصدرت عن دار أبييدي بالقاهرة، مزدانة برسوم للفنان عبد الكريم مجدل بيك، ولوحة لابن المؤلف (أريان). تُهدى الرواية إلى الابن وإلى بيوض أفعى الثوم.
تبدو مقدمة المترجم للرواية وكأنها جزء لا يتجزأ منها، فهي تمهد لها وتتصل بها بعمق يتجاوز المألوف. يكشف المترجم عن عوالمه الطفولية وعلاقته بجدته، مستعيداً ذكريات سماعه غناء الجنادب وشغفه بصوتها الموسيقي. يضيف إلى ذلك حنينه إلى البيوت الطينية ونهار الصيف الهادئة، مهديًا الترجمة لتلك البيوت، ومنبذًا عالم الكبار وأحاديثهم الجادة ونصائحهم المتواصلة. يبرز أيضًا قربه من الحيوانات وتفضيله لها على البشر، وإصراره على البقاء في عالمه الطفولي بأحلامه وأسئلته ومخاوفه واستغرابه وضعفه وسذاجته، وحواره الطريف مع «أفعى الثوم».
تذكر المقدمة أيضًا اسم عفدي «نبع العسل»، الفتى ذي المهارة الاستثنائية في ترك مخاطه يسيل ثم سحبه دفعة واحدة إلى أنفه. يأخذنا مديح البيوت الطينية إلى العواميد الخشبية التي تسند أسقفها، ومن بينها تظهر أفعى الثوم، لتبدأ رحلة الرواية من التخيل والحوار مع الأفعى، وهو حوار أشبه بتدوين لمنام، واشتقاق للكتابة من ذلك العالم الوليد.
تتجاوز الرواية الإرث الحكائي الكردي الفلكلوري، سواء في المتن أو المقدمة أو الرواية نفسها، التي تشير إلى معتقد كردي بأن لكل طفل أفعى تظهر عندما لا يلبي الكبار مطالب الصغار. تُعتبر الأفعى هنا كاهنة تدفع إلى تحقيق رغبات الطفل. ومع ذلك، لا تستمد الرواية مصدرها الوحيد من الإرث والحكايات الغرائبية، إذ تتناول أفعى تتكلم، وتظهر في المنامات مهددة، وتتبع من لمس بيضها، وتتناول الثوم مستخدمة طقم أسنان الجدة. تتجاوز الرواية ما تناقلته الألسن والماضي الخيالي والفلكلور الشعبي، مستلهمة منه دون الاعتماد عليه كليًا.
تتسم الرواية بطابع سياسي غير مباشر، وريفي بري دون مدح رومانسي، ومديني عند تصوير هشاشة المدينة وتخبطها. هي رواية متمردة دون استخدام كلمة «تمرد»، ملتصقة بالمحلي والذاتي، حاملة صوت الفرد، نداء الطفل، سأم الشاب، حكمة المتأمل، وشجاعة الهارب من قيود التصنيف. مصدرها الآخر هو غرائبية الحياة نفسها كما عاشها طفل يربط مناماته، ثم كطالب جامعي يستعيد وقائع بدت أقرب إلى الخيال والعبث والكوميديا السوداء. يجمع الكاتب بين التذكر والسخرية، الأحداث البعيدة والقريبة، والحلم والحقيقة دون فصل، مما يميز السرد بسلاسة وتتابع وتداخل.
يُشبه النمط السردي عينًا سينمائية ترصد أكثر من جهة في آن واحد، عين الشاعر والروائي التي تحوّل المرئي إلى هالة وحكاية. تنقل الأشياء من حال إلى حال كأنها على طبيعتها، والمستغرب هو عدم سرد الوقائع والأحاديث والتخيلات كما وردت، وعدم الانتباه إلى فوضى الحياة الواقعية وغرابتها وقسوتها وعبثها وتفاهتها وأعاجيبها. الرد على ذلك يكون بالإهمال والقبول والانسجام والمسايرة، وهما مقياس الحياة المرصودة. الإهمال والكسل هنا يمثلان تفضيل الفطور الفرنسي على النجاح الدراسي، وكأن الحياة كانت اسمية ولفظية، قشرة حياة، وهربًا مستمرًا من الواجبات.
يتمثل نجاح الرواية في الهرب من الواجبات العامة والمتفق عليها، وهرب أدبي سري من ثقافة التأنق والمجاملة، ومن عالم الكتب إلى معمل الكتابة. تصبح الكتابة مزيجًا من الشفاهية والحياة اليومية، والتخيل الحلمي الذي يسمح بتداخل الأزمنة والأمكنة، مع الحفاظ على السمة الخام والأصل والبديهة. خلف هذه القشرة تكمن طبقة أخرى، ما كان ماثلًا أمام العين، جاهزًا لينتقل من الحدثي إلى الأدبي، من الطرافة إلى الأهمية، وأدبيتها مشتقة من أصلها وما هو نافل وعادي. الأدب هنا ليس مجرد التقاط للواقع، فالواقعي والأدبي ليسا على السوية نفسها. الرواية هي الاختيار والمراقبة والتدوين والاستعادة والتذكر وفق مزاج الساخر غير المندمج. هي رفض للاندماج والانسياق عبر الخوض فيه إلى منتهاه، ورفض كلي لطاعة ما هو اجتماعي أو أخلاقي، حيث تُعتبر الأخلاق زيفًا وادعاءً.
يُقسم كل فصل من فصول الرواية إلى قسمين، ويُشار إلى كل فصل بـ«بيضة من بيوض أفعى الثوم»، حتى البيضة التاسعة، ربما إشارة إلى أشهر الحمل واكتمال النضج وولادة الطفل. القسم الأول يمثل تمهيدًا نظريًا أو تأملًا في فكرة أو حدث، يليه القسم الثاني الذي يمثل المتن الأساسي. رغم هذا التقسيم الشكلي، يظل الترابط والتمازج بين القسمين قائمًا، فالتفكير في المعاني ليس بعيدًا عن الواقع الفعلي، بل ربما يكون القسم الثاني هو خالق القسم الأول، والفكرة مشتقة من الحدث والحقيقة الحسية. يظهر الجهد الفكري ووجهة النظر من خلال ربط التأمل النظري بالوقائع والأحداث. القسمان متداخلان في المعاني ومنفصلان في الترتيب الكتابي الذي يمثل عقل الحدث وربطه بالمعنى، مستخلصًا المعنى المجرد من التحول أو ممهدًا له. الحسي والمعنوي مترابطان، والفكرة ومعناها المباشر جسم واحد. القسم الأول له سمات المقال والرأي والتعليق، لكنه مستخلص من الفكر والتجربة معًا، ممثلًا صوت الفرد ورؤيته وخبراته، مقدمًا اقتراحًا للحياة والسلوك والمعنى. يمكن للرواية أن تتضمن الخلاصة والرأي والحجة، وتقليب الفكر وفحصه ودحضه، واستدخال المجرد في الحسي والمعنوي في المادي. ربط الانفعالي والعاطفي بالواقع اليومي بالفكر يفتح ممرًا للخروج من أسر الواقع، فتُكتب الرواية حسبما تُعاش، وتُصنع نفسها بالجدل والمحاججة.
تتسم الرواية بطابع مادي وحسي، لها ملمس البشرة، مسافة العين، ومكان المخيلة. سماتها عضوية تظهر في النبرة والتشبيه والوصف، وتنقل العياني والجسماني ببراعة، بخصونته وعسره وجماله وصعوبته، محوّلة إياه إلى لوحات متداخلة. تبقى ملازمة لما تنقل عنه، تتجسد به وتجسده، محافظة على الحدث كجسم ومادة ومرئي، لا تحتاج إلى تأويل أو تفسير أو ترميز. تسخر الرواية مما هو مقدس كرديًا، وتتحرر وتهزأ من تحجر الخطاب والحقوق التي لا تحتاج إلى دفاع أدبي. أدبية الشعار تسيء إلى الحق والأدب، وآن الأوان لكسر هذا التحجر والهرب من فروض الواجب القومي. تتبع الرواية خيطًا حدثيًا كرديًا، متذكرة حريق سينما عامودا (1960) والسجن المركزي في الحسكة (1993)، متنقلة بين الظروف والأماكن كرحلة ذاتية مستمرة على هدى الواقع المحيط، بانتقاء وإيجاز، دون استطراد أو تداعٍ دون رابط. تعود إلى الوراء بشكل أثيري، ليس كذكرى بل كأثر وتهويمات وتضاعيف وعجز وتردد، معتبرة إياه المادة الخام والصوت الأول. أحداثها كردية الطابع، لا لأنها مكتوبة بالكردية، بل لغرابة شخصياتها وتوزعها بين أزمنة وأساليب لغوية وسردية. رغم تعدد أجزائها، تحتفظ بسمة حيوية ورشاقة ونقاء مشتعل.
تتسم الرواية بالسخرية واللامبالاة تجاه التحقيق والسجن والأمن الجنائي، مبينة زيفها وهشاشتها وركاكتها وابتذالها. تجد اتفاقًا بين السجين والسجان، محوّلة القانون والأمن والقضاء إلى لعبة ومهزلة وتفاوض. تسخر من ذلك دون توجع أو ألم أو تعالٍ، واصفة إياه كلعبة وتهريج وإضحاك رغم ما يتضمنه من استغلال وإهانة وسرقات. يتحول الثقل النفسي عبر السخرية إلى خفة ولعبة وتمثيل. هناك تناسل مزدوج يجعل الحياة متأرجحة بين عالم الطفولة الحالم وعالم الكبار الذي لا يرى في مخيلة الأطفال سوى الجنون. تقتبس الرواية عبارة لبازوليني: «لا أعرف لماذا نبدع عملًا فنيًا، في وقت يكون فيه ذلك العمل في حلمنا أجمل وأنقى».
تتمتع الرواية بطابع شعري مكثف وحر، يتجلى في المفارقة والاختلاف واللامبالاة. تحويل اللامبالاة إلى عمل أدبي سردي موجز ومتين هو إنجاز. الرواية هي سلسلة متداخلة، هندسة اللامبالاة وعقدتها وفكاكها، قوة اللامبالاة كسياسة وطريقة عيش وتفكير. إنها إخراج الحياة بفعلها وامتناعها، بجسدها وأثرها، بصوتها وشكلها، برغبتها وانكفائها، وتحويلها من الهامش إلى البؤرة والمركز والمحور، إلى أدب.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة