لبنان
تكنولوجيا

هل يسرق الذكاء الاصطناعي وقتنا أم يعيده إلينا؟

المدن١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٠٦ ص0 مشاهدة
هل يسرق الذكاء الاصطناعي وقتنا أم يعيده إلينا؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "البحث عن الوقت الذي وفّره لي "كلود"" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد منتصف الليل، ما زلت أنتظر كلود أن يُنهي مهمة برمجية. في النافذة المجاورة يعمل كوديكس على مشروع آخر. البيت نائم منذ ساعات، وأنا أراقب السطور تتقدّم ببطء وأقول لنفسي: "محاولة أخيرة ثم أطفئ الحاسوب". لكن كل محاولة تجرّ وراءها أخرى. ولعلّك تعرف هذه المساومة الصغيرة مع نفسك: بقي تعديل واحد، ومشكلة واحدة، ودقائق قليلة. ثم ترفع عينيك عن الشاشة لتكتشف أن الليل مضى. ومع تكرار هذه الليالي، بدأت أرى ملامح نمط جديد من العمل، نعيش تفاصيله قبل أن نفهم ما يفعله بحياتنا.

إعادة تدوير الوقت

يصعب إنكار ما تفعله هذه الأدوات. هناك مهام كانت تستغرق يوماً كاملاً، وصرت أنجزها في ساعة. رأيت ذلك في عملي، وأعرف قيمة هذا التحوّل. لكن الساعات التي وفّرتها لم تكن لي. سأل الاقتصاديان أنديرس هوملوم وإميلي فيستغارد نحو 25 ألف عامل في الدنمارك عن استخدامهم روبوتات المحادثة، ثم قارنا إجاباتهم بسجلات الضرائب. وحين سُئل مستخدمو هذه الأدوات في العمل عن كيفية الاستفادة من الوقت الذي توفّره، اختار نحو 80 في المئة منهم تخصيصه لمهام عمل أخرى، فيما اختار أقل من 10 في المئة من هؤلاء المستخدمين استراحات إضافية. وبتقدير العمال أنفسهم، لم ينعكس على أجورهم سوى ما بين 3 و7 في المئة من مكاسب الإنتاجية. الوقت يُوفَّر فعلاً، ثم يُعاد ضخه في العمل نفسه. تُنجز المهمة أسرع، فتتّسع قائمة ما يُنتظر منك إنجازه. بالنسبة إلى الموظف، يسهل أن يرى كيف يحدث ذلك: يكتشف صاحب العمل أن المهمة تحتاج إلى وقت أقل، فيضيف إليها مهمة أخرى. أما المستقل (الفريلانسر)، الذي يحدّد مواعيده بنفسه، فيظن لوهلة أن الأمر سيكون مختلفاً، وأن الوقت الذي يوفّره سيضاعف إنتاجيته. لكن سرعة إنجاز المشاريع لا تضمن وصول مشاريع جديدة، وقد تتحسّن إنتاجيته ويبقى دخله على حاله.

لعبة الانتظار

يحتاج الوكيل البرمجي إلى دقائق لتنفيذ مهمة محدودة. وأحياناً يتوقّف ليطلب مني إذناً أو موافقة على المسار الذي سيتّبعه. وقت قصير يصعب أن أفعل فيه شيئاً آخر، وطويل بما يكفي لأضيق بالجلوس أمامه. أفتح مهمة ثانية، ثم أعود إلى الأولى وأحاول أن أتذكّر أين توقّفت. هكذا تمتلئ الشاشة بالمهام، ويتوزّع انتباهي بينها. كلما تقدّمت واحدة، استدعتني أخرى. راقبت الباحثتان أرونا رانغاناثان وماغي يي، من جامعة بيركلي، شركة تقنية أميركية طوال ثمانية أشهر، ونشرتا خلاصتهما في "هارفارد بزنس ريفيو" مطلع 2026. لم تفرض الشركة استخدام الذكاء الاصطناعي على موظفيها، ومع ذلك أخذوا يكتبون أوامرهم للأداة خلال استراحة الغداء والاجتماعات، ويرسلون "أمراً أخيراً سريعاً" قبل مغادرة المكتب، كي تواصل العمل في غيابهم. وأعرف هذا الانتظار جيداً. أجلس ساكناً أمام الشاشة، لكنني أستعدّ لما سيأتي: قراءة ما كتبته الأداة، وفحصه، والتأكّد من أنه يناسب المشروع ولا يُفسد شيئاً آخر. المراجعة عمل كامل، والدقائق التي تسبقها تُبقيني مستنفراً. أستطيع أن أقوم عن الكرسي. الأصعب أن أغادر المهمة. وأحياناً أتابع تقدّم المهام على هاتفي وأنا أنتظر خروج أولادي من باب المدرسة.

على توقيت كلود

ثم هناك عدّاد الاستخدام. تقول صفحة الرسمية لأنثروبيك إن لكلود حصة استخدام تتجدّد كل خمس ساعات، وأخرى أسبوعية، تشترك فيهما واجهة المحادثة وأداة البرمجة. أما حجم الحصة الأسبوعية فلا تعلنه الشركة بالأرقام. وحين تنفد، يصبح أمامك خياران: الاشتراك في باقة أغلى، أو شراء رصيد إضافي تُحاسَب عليه بحسب الاستهلاك. شيئاً فشيئاً، صار موعد تجدّد الحصة يدخل في ترتيب يومي. تنفد مساءً، وتعود في ساعة متأخرة، فأبقى مستيقظاً كي أستفيد مما دفعت ثمنه. تبدو الحجة معقولة في لحظتها: ما دمت أدفع، عليّ أن أستخدم الاشتراك. لكنني أجد نفسي أرتّب نومي حول موعد عودة الأداة. والثمن بالدولار، بين 20 و200 شهرياً، فيما يبقى دخلي محكوماً بواقع الأجور في لبنان. لذلك يصبح من السهل أن أرى في كل حصة لم أستخدمها مالاً ضائعاً، وأن أغفل عمّا أخسره وأنا أحاول استنفاد كل مزايا الاشتراك.

محاولة تجرّ أخرى

أكثر ما يُبقيني أمام الشاشة هو النتيجة شبه الصحيحة. موقع يعمل كما أردت، إلا أن زرّاً واحداً لا يستجيب. وتصميم متقن، إلا أن عنصراً صغيراً خارج مكانه. يبدو أنني اقتربت بما يكفي، وأن التوقّف الآن سيُضيع حالة التركيز التي أنا فيها. فأجرّب مرة أخرى. ثمة ما يذكّر بماكينات القمار في هذا الترقّب: نتيجة واعدة، ثم خيبة صغيرة، ثم أمل بأن تنجح المحاولة التالية. يصعب أن تبتعد وأنت تشعر بأن الحل صار قريباً إلى هذا الحد. كتب آرمين روناخر، صاحب إطار البرمجة Flask، مطلع 2026 أن كثيراً من المبرمجين انغمسوا في البرمجة بالوكلاء حتى صاروا بالكاد ينامون. أستخدم كلمة الإدمان هنا بوصفها استعارة لهذا الشعور: أن ترغب في التوقّف، وأن تجد دائماً سبباً وجيهاً لمحاولة أخرى. ويرافق ذلك اطمئنان مضلّل أحياناً: ما دامت المهام تتوالى على الشاشة، فلا بد أنني أُنجز أكثر. عام 2025، قاست مؤسسة METR البحثية أداء مطوّرين ذوي خبرة. شعر المشاركون بأن الأدوات جعلتهم أسرع بنحو 20 في المئة، لكن القياس أظهر أنهم أصبحوا أبطأ بنسبة 19 في المئة. وتقدّر المؤسسة أن الأدوات تحسّنت لاحقاً، لكن الفجوة التي كشفتها التجربة تستحق أن نتوقّف عندها: قد يختلف إحساسنا بالإنتاجية كثيراً عمّا ننجزه فعلاً.

ما الذي نخسره؟

تحصي أدوات الإنتاجية المهام التي أُنجزت. أما العشاء الذي فات، ونزهة الأحد التي تحوّلت إلى غداء في المنزل، فلا مكان لهما في التقرير. وقد تكون لديك خسائرك الصغيرة أيضاً: حديث أجّلته حتى تنتهي المهمة، أو زيارة اختصرتها، أو سهرة مع صديق ألغيتها. يصعب أن نسمّي كل واحدة منها خسارة في لحظتها. تبدو مجرّد استثناء، إلى أن تتكرّر. حلّلت الاقتصادية وي جيانغ وزملاؤها يوميات الوقت الأميركية بين 2004 و2023، ونشروا نتائجهم عبر المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية الأميركي (NBER). وجدوا أن العاملين في المهن الأكثر تعرّضاً للذكاء الاصطناعي يعملون نحو ساعتين إضافيتين في الأسبوع، وأن ساعات عملهم زادت ووقت فراغهم تقلّص بعد إطلاق ChatGPT. وكان من بين ما تقلّص الوقت الذي يقضونه مع الآخرين بعيداً عن الشاشات. لا أملك قياساً دقيقاً لما أخذته هذه الأدوات من نومي أو من وقتي مع العائلة. أعرف فقط أنني، في أيام كثيرة، كنت حاضراً غائباً في البيت. أرى ذلك في عيون أولادي، وأعزّي نفسي بأنني أفعل ذلك من أجلهم. لكنهم حين يكبرون سيتذكّرون النزهات، ولن يتذكّروا جلوسي أمام الشاشة.

كيف تقيّم عملك؟

إذا كانت السرعة حقيقية، فأين يذهب مردودها؟ تكتب جيانغ وزملاؤها أن جزءاً كبيراً من مكاسب الإنتاجية يذهب إلى الشركات والمستهلكين، خصوصاً في الأسواق التنافسية التي تتحوّل فيها هذه المكاسب إلى أسعار أقل. اتصل بي مؤخراً شخص يريد موقعاً إلكترونياً فيه متجر، ودفع إلكتروني، ودفع عند الاستلام، وربط بخدمة توصيل. موقع من هذا النوع تتقاضى الشركات آلاف الدولارات لتنفيذه. شرح مشروعه، ثم قال إن أمراً واحداً لكلود يكفي لصنع الموقع في خمس دقائق، وإن تكلفته يجب ألا تتجاوز 200 أو 300 دولار. أفهم كيف وصل إلى هذا الرقم. هو يرى صفحة تظهر سريعاً على الشاشة. أما الحماية، وقدرة الموقع على استيعاب الزوّار، ونظام إدارة محتوى يمكن الاعتماد عليه، فلا تظهر في الصورة. يستطيع أي شخص أن يسأل الأداة كيف يبني موقعاً. لكن المبرمج وحده يعرف كيف يرسم السياق، ويقيّم الإجابة، ويكتشف ما ينقصها، ويتحمّل مسؤولية النتيجة. وهذا ما لا تبيعه الأداة. لذلك لا أرى سبباً كي يتقاضى المبرمج الذي يستعين بالذكاء الاصطناعي أقل مما كان يتقاضاه قبله. السرعة لا تعني عملاً أقل. الزبون يدفع ثمن الخبرة التي تجعل الأداة مفيدة، لا ثمن الدقائق التي استغرقها التنفيذ. وإن كان الأمر بهذه السهولة، فليجرّبه بنفسه. هذا كان جوابي على مزحة الـ300 دولار. وفي دراسة نشرها شيانغ هوي وزميلاه عام 2024، تراجعت أرباح الكتّاب المستقلين على منصة Upwork بنسبة 5.2 في المئة بعد إطلاق ChatGPT. يستطيع "الفريلانسر" أن يُنتج أسرع، ثم يكتشف أن السوق أعاد تسعير عمله قبل أن يتمكّن من الاستفادة من الوقت الذي وفّره. لكن هذا لا يعني أن على المحترف أن يقبل بالسعر الجديد. عليه أن يتمسّك بسعره، وأن يقيّم عمله بنفسه بدل أن يترك الزبون يقيسه بالدقائق، وأن يُظهر الفرق بين ما يصنعه الهاوي وما يصنعه المحترف، حتى لو استعمل الاثنان الأداة نفسها. توقّع الاقتصادي جون مينارد كينز عام 1930 أن يعمل أحفاده 15 ساعة في الأسبوع. وبعد نحو قرن، أجلس أمام أداة تُنجز في دقائق ما كان يحتاج إلى ساعات، وما زلت أنتظر نصيبي من هذا الوقت.

شارك الخبر: