لبنان
سياسة

هل يجرؤ ترامب على استخدام السلاح النووي ضد إيران؟ وما الثمن الذي سيدفعه العالم؟

النهار٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٦ ص0 مشاهدة
هل يجرؤ ترامب على استخدام السلاح النووي ضد إيران؟ وما الثمن الذي سيدفعه العالم؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل يكسر ترامب المحرّم النووي في إيران... وأي ثمن سيدفعه العالم؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يثير تحذير الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون من احتمال استخدام الولايات المتحدة لسلاح نووي ضد إيران سيناريو لم يشهده العالم منذ قصف هيروشيما وناغازاكي عام 1945. وبينما يتحدث كارلسون عن ضغوط إسرائيلية على دونالد ترامب لاتخاذ قرار بحلول 7 تشرين الثاني/نوفمبر، تشير المعطيات العسكرية إلى استعدادات أميركية فعلية لضرب منشآت إيرانية محصنة، وسط تساؤلات عن قدرة الأسلحة التقليدية على تدميرها. لكن الانتقال إلى الخيار النووي يحمل حسابات تتجاوز مصير البرنامج النووي الإيراني، وقد يفرض على واشنطن مواجهة تداعيات يصعب احتواؤها عسكرياً وسياسياً واقتصادياً.

بين التهديد والقرار:

تستند رواية كارلسون إلى معلومات ينسبها إلى مصادر غير مسماة، تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط على ترامب لاستهداف منشأة جبل الفأس قرب نطنز بسلاح نووي، فيما يدفع نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف نحو تسوية تفاوضية، في ظلّ غياب أي دليل قاطع يؤكد أن استخدام السلاح النووي بات خياراً مطروحاً بالفعل على طاولة القرار الأميركي. لكن احتمال استئناف الحرب يستند إلى معلومات أكثر صلابة. فقد كشف موقع أكسيوس في 1 تشرين الثاني عن اتصال بين ترامب ونتنياهو، ضغط خلاله الأخير لتنفيذ هجوم بعد الانتخابات النصفية، بينما فضّل الرئيس الأميركي منح المفاوضات وقتاً إضافياً. واللافت أن ترامب نفسه استبعد استخدام السلاح النووي في مقابلة مع "نيوزماكس" في 15 تشرين الأول/أكتوبر، مؤكداً أن واشنطن "لا تحتاج إليه". لكنه تحدث في المقابلة ذاتها عن احتمال ضرب جبل الفأس وتعطيل المنشأة سريعاً.

تمنح هذه المواقف مؤشراً إلى طبيعة حساباته. فالرئيس الذي يريد منع إيران من استعادة قدراتها النووية يسعى أيضاً إلى تجنب حرب طويلة تستنزف الاقتصاد الأميركي وتضاعف أعباء إدارته. وقد يجد في التهديد بأقصى درجات القوة وسيلة لانتزاع تنازلات تفاوضية، خصوصاً مع استمرار الوساطة القطرية. ومع ذلك، يتمتع الرئيس الأميركي بسلطة إصدار الأمر باستخدام السلاح النووي من دون موافقة مسبقة من الكونغرس. وتحتفظ العقيدة النووية الأميركية المعلنة بخيار الاستخدام الأول في ظروف استثنائية للدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة وحلفائها. أما ادعاء كارلسون بأن الإدارة خفّضت سراً عتبة الاستخدام النووي منذ شباط/فبراير، فلم يظهر ما يؤكده في وثائق رسمية منشورة.

معضلة جبل الفأس:

يقع جبل الفأس، المعروف إيرانياً باسم "كوه كلنغ غاز لا"، قرب منشأة نطنز، ويضم مشروعاً تحت الأرض تحيط به تحصينات طبيعية وهندسية. وتشير تقديرات منشورة إلى احتمال وجود مرافق على عمق يتراوح بين 80 و100 متر. وفي تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في 9 أيلول/سبتمبر، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية تسارع أعمال البناء وتحصين المداخل وشبكة الطرق. لكن الباحثين لم يتمكنوا من تأكيد المزاعم الإسرائيلية بشأن نقل أجهزة طرد مركزي إلى المنشأة أو تشغيل نشاط تخصيب فيها. وتزداد أهمية هذا الغموض بعدما أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في أواخر تشرين الأول، عدم رصد أعمال لإصلاح المنشآت النووية التي تضررت بالغارات السابقة، مع استمرار عجز الوكالة عن التحقق من مصير مخزون اليورانيوم المخصب.

عسكرياً، يثير عمق المنشأة مشكلة حقيقية. فقد كشفت شبكة "سي أن أن" في 14 تشرين الأول عن خطط أميركية تتضمن احتمال استخدام قنبلة "أم القنابل" التقليدية، مع شكوك في قدرتها على الوصول إلى منشآت محفورة تحت طبقات صخرية كثيفة. وتختلف هذه القنبلة عن القنابل التقليدية الخارقة للتحصينات التي صُممت لاختراق الأرض قبل الانفجار. أما السلاح النووي فيتيح توليد موجات صدمية شديدة داخل الصخور، لكنه لا يضمن تدمير هدف عميق إذا كانت المعلومات عن موقع الغرف والأنفاق أو طبيعة التكوين الجيولوجي غير دقيقة. وتخلص دراسة للأكاديميات الوطنية الأميركية إلى أن الأسلحة النووية المخترقة للأرض يمكنها تهديد بعض الأهداف شديدة التحصين، لكنها تعجز عن اختراق الأعماق اللازمة لاحتواء آثار الانفجار بالكامل. وهنا تظهر مفارقة عسكرية بالغة الأهمية. فقد تستخدم واشنطن سلاحاً نووياً لتدمير موقع يُشتبه في احتوائه على برنامج تخصيب، ثم تواجه كارثة إشعاعية من دون ضمان القضاء على المواد النووية أو المعرفة التقنية التي تمتلكها إيران.

ثمن يتجاوز الحدود:

ستكون إيران المتضرر المباشر من أي انفجار نووي. وتتوقف الخسائر البشرية على قوة السلاح وموقع الانفجار والكثافة السكانية واتجاه الرياح. ومن شأن انفجار قريب من سطح الأرض أن يقذف كميات من الغبار والحطام المشع إلى الغلاف الجوي، مع مخاطر تلوث التربة والمياه والمحاصيل الزراعية. ولا يمكن تحديد امتداد هذا التلوث إلى دول الجوار من دون معرفة خصائص السلاح والظروف الجوية. لكن احتمالات انتقال المواد المشعة خارج إيران تجعل التداعيات البيئية والإنسانية قضية إقليمية، خصوصاً بالنسبة إلى دول الخليج. وسياسياً، قد تدفع الضربة طهران إلى رد عسكري واسع يستهدف إسرائيل أو المصالح والقواعد الأميركية، مع احتمال امتداد المواجهة إلى منشآت الطاقة وخطوط الملاحة. وقد يؤدي استخدام سلاح نووي إلى تعزيز نفوذ التيارات الإيرانية التي تعتبر امتلاك رادع مماثل ضمانة أساسية لمنع تكرار الهجمات.

وفي الأسواق العالمية، ستأتي الصدمة فوق أزمة طاقة قائمة. فقد أظهر تقرير وكالة الطاقة الدولية في تشرين الأول أن الحرب عطّلت إمدادات النفط ومشتقاته ورفعت تكاليف الشحن والتكرير. وأي تصعيد يهدد الملاحة في مضيق هرمز قد يضيف ضغوطاً على أسعار الوقود والتضخم والنمو العالمي. أما روسيا والصين، فستواجهان سابقة استراتيجية تمس قواعد استخدام القوة النووية. وقد تدفعهما الخطوة إلى إعادة تقييم عقيدتيهما الردعيتين، فيما ستجد الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن نفسها أمام أزمة سياسية وأمنية مع إدارة استخدمت السلاح الأكثر تدميراً ضد دولة لا تمتلك ترسانة نووية مثبتة.

وتتجاوز التداعيات مواقف الحكومات. فمنذ 1945، ترسّخ عرف دولي قوي يمنع استخدام الأسلحة النووية في الحروب. وكسره سيضعف أحد أهم القيود التي حالت دون تكرار الكارثة الذرية، وقد يزيد جاذبية امتلاك السلاح النووي لدى دول تشعر بأنها مكشوفة أمام التفوق العسكري للقوى الكبرى. كذلك ستثار تساؤلات قانونية حادة بشأن التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والتناسب بين المكسب العسكري والأضرار المتوقعة، وهي قواعد تنطبق على الأسلحة النووية كما تنطبق على سائر وسائل الحرب.

لهذه الأسباب، يبقى استخدام ترامب السلاح النووي احتمالاً ضعيفاً قياساً بخيارات الضربات التقليدية المتاحة، على الرغم من تصاعد التهديدات وعدم استبعاد أي تحول مفاجئ في الحسابات الأميركية. لكن خطورة السيناريو تكمن في أن نجاح الضربة عسكرياً، إذا تحقق، لن يضمن إنهاء الأزمة الإيرانية. فقد تنتهي العملية بتدمير منشأة واحدة، في مقابل إطلاق مواجهة إقليمية أشد اتساعاً، وتقويض قواعد ردع استمرت أكثر من ثمانية عقود. وعندها، ستكون واشنطن قد استخدمت أقصى درجات قوتها لمنع ظهور قوة نووية جديدة، وفتحت في الوقت نفسه مرحلة يصبح فيها استخدام هذه القوة مجدداً أقل استبعاداً.

شارك الخبر: