من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: رحلة القرن السوري بين الدستور والتحولات


هذا الخبر بعنوان "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: إخراج "القرن السوري" من عتمته" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تجاهل رسمي تام من قبل مؤسسات "الجمهورية العربية السورية"، مرّت الذكرى المئوية لإعلان الاستقلال السوري الأول في 8 آذار 1920. هذه الذكرى تحمل في طياتها إعلان تتويج الأمير فيصل بن الحسين على رأس المملكة السورية، وبدء مناقشة المؤتمر السوري لمشروع دستور 1920، الذي نصّ في بنوده الأساسية على "حكومة مدنية نيابية عاصمتها دمشق الشام ودين مَلكها الإسلام"، ومسؤولية الوزارة أمام المجلس النيابي وليس الملك. خلال عام 2020، اقتصر الاحتفاء بهذه الذكرى على ندوة في عمّان ومحاضرة في منتدى الفكر العربي. عند مقارنة دستور 1920 الذي اعتمد النظام النيابي بمسؤولية الوزارة أمام المجلس النيابي، مع دستور 1973 الذي ركّز السلطات في يد الرئيس حافظ الأسد، يتضح سبب التجاهل الرسمي. لقد غطّى اعتبار "دمشق قلب العروبة النابض" على تاريخ سوريا ما قبل الأسدين، ومجّد إنجازات حكم آل الأسد الذي استمر لأكثر من نصف قرن. أصبح تاريخ سوريا الحديث، في نصفه الأول (1918-1963)، مؤدلجاً وممسوخاً، حتى غاب مقرّر عن تاريخ سوريا المعاصر في جامعة دمشق. بعد 24 كانون الأول 2024، انطلقت مشاعر تعبّر عن الهوية المنشودة لسوريا الجديدة، تراوحت بين استعادة دمشق الأموية وإعادة الاعتبار لسوريا الديموقراطية التي بدأت مع دستور 1920. في غياب الدراسات عن النصف الأول من "القرن السوري"، صدر كتاب "من فيصل الأول إلى أحمد الشرع لحظات سوريا الفارقة بين أبناء الأرض وأبناء السماء: في الدولة والتحولات" لإبراهيم الجبين، الذي يقدم مقاربة جديدة تستعرض "القرن السوري" بكل تحولاته.
يتناول الكتاب، الذي صدر في عمان عام 2026، ما هو أكثر من نصف القرن المغيب، مستعرضاً التحولات والحكومات والدساتير والانقلابات والتدخلات الإقليمية والدولية التي شكّلت مصير الدولة والمجتمع السوري. بعد أعماله الشعرية والروائية، اتجه الجبين إلى الكتابة في التاريخ العربي والإسلامي، مطروحاً مقاربات مختلفة، كما في كتابه "لغة محمد" الذي أوضح فيه تنوع لغة الرسول وعدم تشدده. ومع انخراطه في المعارضة، تحوّل الجبين إلى الدراسات السياسية، مستنداً إلى أرضية تاريخية وفكرية وثقافية واسعة، كما في كتابه "الطريق إلى الجمهورية 1800-1952"، الذي تناول فيه انشغال الرواد بفكرة الدولة. ومع صلاته بقوى المعارضة، أتيح له أن يعرف مسبقاً ما هو قادم مع عملية "ردع العدوان" التي انتهت بسقوط "سوريا الأسد" في 24 كانون الأول 2024. في هذا الكتاب يتجلى شغف الجبين بالتاريخ السوري المعاصر، بعدما غطّت عليه عقود الأدلجة وتغييب الخبرة الدستورية والنيابية للحركة الوطنية. ومن هنا حرص على توثيق المصادر والمراجع التي استقى منها معطياته.
العنوان الفرعي "في الدولة والتحولات" يعبّر عن الانشغال الرئيسي للمؤلف، الذي يفصّل الحديث على سبعة أقسام تتناول الشرعية والدولة، الحكم، المركز والأطراف والخارج، والقوة في علاقتها بالسياسة والتحولات الفكرية. يوضح المؤلف أن ما يقدمه هو "محاولة لقراءة تاريخ الدولة السورية وتحولاتها ليس بكيفية الوصول إلى السلطة بل ماذا تفعل السلطة الجديدة حين تنقل من إسقاط النظام إلى إدارة الدولة". يتساءل: "ليس المهم من هو الرجل الذي يحكم سوريا، بل ماذا يحدث حين يصل إليها، هل يصنع الحاكم الدولة التي يريدها أم تصنع الدولة بتاريخها ومجتمعها وجغرافيتها وتعقيداتها الحكم الذي تستطيع احتماله؟"
يقدّم الكتاب للقارئ السوري أرضية تاريخية غنية عن الفترات الفاصلة بين وصول فيصل الأول وحكمه (1918-1920) وبين وصول أحمد الشرع إلى دمشق وانتخابه رئيساً انتقالياً (2025-2026)، خصوصاً للجيل المغيب عن تلك الفترات بسبب تسيّد التاريخ الرسمي لما حدث في سوريا بعد 1970. يستعرض الكتاب نقداً لوحدة سوريا مع مصر (1958-1961) وآثارها المدمرة، قبل أن تدخل سوريا في دوامة انقلابات وتصفيات (1963-1970) أدّت إلى جمهورية أسدية وراثية (1970-2024).
يبدأ القسم الأول بالانقلاب المهم الذي حدث في البلاط العثماني عام 1876 بفرض دستور "المشروطية"، ثم الثورة "الدستورية" عام 1908، والانقلاب العسكري لجمعية الاتحاد والترقي عام 1913، مما أدى إلى انهيار الدولة العثمانية. في هذا السياق، تمت الدعوة لانتخاب أعضاء "مجلس المبعوثان"، مما أفضى إلى أول تجربة نيابية في الدولة العثمانية (1877-1878). ومن آباء هذه التجربة النيابية من سوريا كان خالد الأتاسي، الذي حرص على إرسال أبنائه إلى المدارس الحديثة، ومنهم هاشم الأتاسي، الذي برز لاحقاً باعتباره من آباء الحركة النيابية والدستور السوري الأول (1920). كان هذا منعطفاً مهماً، فقد "غيّرت الحياة البرلمانية من فهم السوريين للولاء للدولة ونقلتهم من قاعدة السمع والطاعة إلى دائرة الصراع من أجل البرامج الحيوية".
كان ممن خاض هذه التجربة الأمير فيصل بن الحسين، الذي استقر مع أبيه في استانبول وتعلم التركية والإنجليزية والفرنسية. بعد انضمامه إلى جمعية العربية الفتاة، التحق بالمشروع العربي لأجل دولة عربية مستقلة. دخل دمشق على رأس الجيش العربي في 3 تشرين الأول 1918، ليعلن بعد يومين "تأسيس حكومة دستورية عربية مستقلة شاملة جميع الأراضي السورية". ولكن هذه الحكومة كانت على الورق دون حدود واضحة، في الوقت الذي كانت فيه قوات الحلفاء هي القوة الضاربة.
مشاركة الأمير فيصل في مؤتمر الصلح في باريس وخطابه في 6 شباط 1919 لفتت نظر الرئيس الأمريكي ولسون، الذي وعده بدعم الولايات المتحدة إذا أعلنت سوريا استقلالها. اقترح الرئيس ولسون استفتاء رغبة السوريين وتشكيل لجنة دولية لاستطلاع رغباتهم. اتجه السوريون نحو عقد مؤتمر وطني استعداداً للقاء اللجنة. دعا الأمير فيصل فور عودته إلى دمشق النخبة السورية لانتخاب مؤتمر سوري ليطرح ما يريده السوريون أمام لجنة كينغ-كراين، وليعدوا دستوراً للبلاد. التأم المؤتمر السوري في 3 حزيران، وانتخب معظم أعضائه حسب قانون الانتخاب العثماني الأخير. اتفق السوريون على إعلان استقلال المملكة السورية في 7 آذار 1920، ليضعوا الدول الأوروبية أمام الأمر الواقع. أعلن هذا القرار أمام الجماهير المحتشدة في ساحة المرجة في 8 آذار 1920، وتشكلت حكومة جديدة برئاسة رضا الركابي تستمد شرعيتها من المؤتمر السوري الذي تحول إلى جمعية تأسيسية لإقرار مشروع الدستور. على النقيض، "رفضت الأسرة الدولية الاعتراف بالمملكة السورية المشكّلة آنذاك".
استمرت هذه التجربة الرائدة في بناء دولة سورية، التي تبلورت مع نظام حكم نيابي ومدني، أقل من سنتين، لكنها تركت ما يذكر بها من بناء مؤسسات دولة (جيش وطني وعملة وأول مجمع للغة العربية ونواة للجامعة السورية). وبرزت فجأة حوالي عشرة أحزاب وأكثر من عشر صحف. قال الشيخ رشيد رضا عن هذه التجربة الغنية: "المملكة السورية أسّست ديموقراطية حقيقية وكانت الحرية لجميع أنواعها والنشر مما تحسدها عليه سائر البلاد السورية ومصر".
انهيار "المملكة السورية" بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920، وعودة الملك فيصل مرشحاً لحكم العراق، جعل الجبين يقارن "فيصل السوري" مع "فيصل العراقي"، ويخلص إلى أن "فيصل السوري" كان "يريد دولة مستقلة قبل أن يملك أدوات حمايتها، بينما كان في العراق يعمل على بناء الأدوات (المؤسسات) داخل استقلال ناقص". يبدو أن "فيصل السوري" كان مستعداً لذلك على مبدأ "خذ وطالب"، ووقّع مبكراً على اتفاق فيصل-كليمنصو، الذي كان يفتح مسار دولة سورية مستقلة على النمط العراقي، ولكنه تعرّض إلى معارضة شعواء من المعارضة في الشارع السوري، مما دفعه إلى مماشاة المعارضة والتوجّه لإعلان الاستقلال في 8 آذار 1920 لـ"المملكة السورية" التي كانت لا تملك السيطرة على أراضي خريطتها المعلنة.
في الانتقال إلى القطب الثاني لعنوان الكتاب (أحمد الشرع)، يتناول الجبين في فصل "ربيع دمشق وقتل الأب" ظروف توريث بشار الأسد للحكم في عام 2000 و"ربيع دمشق"، وصولاً إلى الانتكاسة السريعة وتصاعد المعارضة التي استقوت بالربيع العربي لتتحول إلى ثورة 2011 ضد النظام الأسدي. ومع المد والجزر بين الكيانات التي تقاسمت لاحقاً الجغرافيا السورية، يبرز الجبين كيف أنه بعد 2021 بدأت ملامح "فقدان الأمل والميل إلى التفاوض وتقاسم السلطة مع الأسد". تتوج ذلك بمشاركة الأسد في القمة العربية الإسلامية في الرياض في 11 تشرين الثاني 2024.
سرعان ما تبدّد التشاؤم بعد أيام، مع اتصال جاء المؤلف عشية عملية "ردع العدوان"، وجعله يستعيد الأمل ويعبّر عما هو آت، وأصبح "الوحيد الذي كان يجزم بأن هذه المعركة ستنتهي بإنهاء نظام الأسد" نظراً "لأن الظروف تكاملت لحدوث التغيير". ومع أنه كان قد نشر سابقا "كتابات ساخطة" عن التيارات الإسلامية والحركات الجهادية، إلا أن الصورة تغيرت حين التقى أحمد الشرع بعد ذلك، فبدا "على النقيض مما رأيته ورآه الجميع".
الفصل الأخير "الجولاني- أحمد الشرع رئيسا" مهم في المقاربة والمقارنة التي يجريها الجبين بين قطبي سوريا 1920-2025، أي بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع. ينطلق الجبين من اعتباره أن الجولاني كان يمثل "جيلا جديدا من الجهاديين السلفيين يريد أن يطوّر الفكر والتموضع ليتمكن من العيش في العصر". أسّس "جبهة النصرة" التي "تدين في بعض جذورها إلى أبو مصعب السوري". ثم أخذ في التحول من "فرع في شبكة جهادية عابرة للحدود (القاعدة) إلى قوة سورية محلية تستطيع الاندماج مع الفصائل (الأخرى) وإدارة الأرض". قام في 2022 بانفتاح كبير على المسيحيين والدروز الموجودين في محافظة إدلب وصولاً إلى القول "إن اعتناقهم للإسلام ليس ضروريا وإنه لا إكراه في الدين".
في تطور آخر، يلاحظ الجبين كيف أن الصورة النمطية للجهاديين أخذت تتغير، و"ظهرت البدلات الرسمية وقمصان التي شيرت الشبابية"، وراحت صورة الجولاني "تتشكل من جديد وتنمو باتجاه صورة القيادي الوطني (المعتدل)". في هذا السياق، تشكلت "حكومة الإنقاذ" لتكون الإدارة والسياسة متلازمتين مع فصل نسبي بين التنظيم العسكري والحكم المدني. يصل الجبين إلى ملاحظة مهمة تتمثل في أن "هذه التحولات في الشمال لم تحظ بالمتابعة التي تتناسب مع أهميتها لدى قطاعات واسعة من النخب السورية إلى أن أعلن الجولاني عن دوره الجديد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 قائداً لـ"إدارة العمليات العسكرية" التي شنّت هجومها المفاجئ".
في هذا السياق، يلاحظ الجبين كيف أن الساعات والأيام الأولى لوصول أحمد الشرع إلى دمشق أبرزت التحول من المقاتل إلى رجل الدولة، بدءاً من رسالته إلى رئيس الوزراء محمد الجلالي (8 كانون الأول 2024) "للحفاظ على مؤسسات الدولة"، ثم الاتصال الهاتفي معه الذي ورد فيه أن "الهدف الأساسي للعمليات العسكرية هو تغيير رأس النظام ومنظومة السياسة وليس تدمير الدولة". تكليف البشير برئاسة حكومة تصريف الأعمال وصولاً إلى "مؤتمر النصر" في 29 كانون الثاني 2025، الذي أعلن عن قرارات فاصلة: تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية وتفويض الرئيس بتشكيل مجلس شعب يتولى المهام التشريعية حتى صياغة دستور دائم للبلاد.
في نهاية الفصل الأخير، يبرز الجبين أكثر شخصية أحمد الشرع كرجل دولة ضمن العلاقات الجديدة الإقليمية، سواء مع الدول التي دعمته منذ البداية (قطر وتركيا) أو مع السعودية (حيث وُلد الشرع في 1982) التي رحبت به وفتحت له أفقاً كبيراً للولايات المتحدة التي بقيت تصنفه بين الجماعات الإرهابية، وحتى مع الدول المتحفظة في البداية (الأردن ولبنان ومصر وغيرها). بقيت العلاقات مقطوعة مع ايران ومتوترة مع اسرائيل.
هل يصنع الحاكم الجديد سوريا كما يريد؟ على الرغم من غنى الفصل الأخير بالمقارنات الأخرى في تناول "الشرع بين إسلامين" و"مجتمعات محلية بين الوطنية والتظاهر بها"، إلا أن المجال لا يسمح سوى بالانتقال إلى الخاتمة ليستخلص جوهر المقارنة والرؤية المستقبلية بين الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع ليترك الجواب مفتوحاً أمام المؤيدين والمعارضين له: "بعد أكثر من قرن على دخول فيصل بن الحسين إلى دمشق دخلها أحمد الشرع من باب مختلف، حاملاً تاريخاً مختلفاً ومشروعاً مختلفاً، ووارثاً دولة ومجتمعاً يختلفان جذرياً عما وجده فيصل في مطلع القرن العشرين. وبين الدخولين مسافة زمنية طويلة امتلأت بالدساتير والانقلابات والحروب والوحدات والانفصالات والثورات والاستبداد، لكن سؤالاً واحداً بقي مفتوحاً: هل يصنع الحاكم سوريا التي يريدها، أم تصنع سوريا بتعقيدتها وتاريخها ومجتمعها الحاكم الذي تستطيع أن تعيش معه؟"
في النهاية، يمكن القول إن كتاب الجبين مفيد جداً للجيلين اللذين ولدا خلال عهد الدولة الأسدية (1970-2024) بما يحوي من معلومات غزيرة عن سوريا خلال القرن الأول لها، وهو مفيد للمثقفين بما حمله من مقاربات وتحليلات ومقارنات وتوقعات بين قطبي "الكيان السوري" الملك فيصل والرئيس أحمد الشرع تفتح الأفق لنقاش مفتوح يشارك به الجميع عن "القرن الثاني" للدولة السورية.
عاجل
اقتصاد
سياسة
سياسة