لبنان
سياسة

روسيا تتمسك بقواعدها في سوريا: مصالح استراتيجية تتجاوز سقوط الأسد

النهار٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٢ ص0 مشاهدة
روسيا تتمسك بقواعدها في سوريا: مصالح استراتيجية تتجاوز سقوط الأسد

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا تتمسّك روسيا بقواعدها في سوريا رغم سقوط الأسد؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد سقوط نظام بشار الأسد، تواصل روسيا التمسك بقاعدتي حميميم وطرطوس العسكريتين في سوريا. ورغم مرور عامين على هذه التحولات، تتفاوض موسكو مع دمشق على مستقبل هاتين القاعدتين، في ظل تقلص الحضور العسكري الروسي وتغير موازين القوى. يطرح هذا الوضع تساؤلات حول دوافع روسيا للاحتفاظ بقواعدها السورية، والمكاسب التي يمكن أن تجنيها حكومة الرئيس أحمد الشرع من استمرار الوجود الروسي.

تتجاوز مصالح موسكو مجرد الاحتفاظ بمنشآت عسكرية على الساحل السوري، لتشمل تعزيز موقعها في شرق البحر المتوسط، وتأمين خطوط إمداد قواتها في أفريقيا، وترسيخ نفوذها في المعادلات الإقليمية. في المقابل، تسعى دمشق إلى تحقيق مكاسب عسكرية واقتصادية، خاصة مع تنامي دور تركيا وتوسع الانخراط الأميركي والعربي في المنطقة. هذه المصالح المتقاطعة قد ترسم ملامح العلاقة السورية–الروسية في المرحلة القادمة.

القواعد وحسابات الكلفة

يشير آصف ملحم، مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات، إلى وجود مبالغة في تقدير حاجة روسيا لقواعدها السورية، مستشهداً بفتور العلاقات بين البلدين منذ سقوط الأسد. ويؤكد ملحم لـ"النهار" أن موسكو قد تتخلى عن هذه المنشآت إذا تجاوزت تكلفة الاحتفاظ بها الفوائد المرجوة. ويوضح أن قاعدتي حميميم وطرطوس تؤديان بشكل أساسي وظائف لوجستية تتعلق بالصيانة والتخزين ودعم القوات الروسية العاملة في أفريقيا، بعدما تراجعت أهميتهما في العمليات القتالية. وقد سحبت موسكو بالفعل جزءاً من طائراتها وصواريخها ومعداتها، كما أن اعتماد الإمدادات البحرية على ممرات لا تتحكم بها روسيا يحد من القيمة الاستراتيجية لهذه القواعد.

ومع ذلك، لا يستبعد ملحم استخدام المنشآت الروسية مستقبلاً لدعم النشاط التجاري، خاصة عبر ميناء طرطوس، في ظل استمرار التبادل التجاري بين البلدين. وفي سياق التوازنات الخارجية، يرى أن تركيا ودولاً أوروبية تضغط لإنهاء الوجود الروسي، بينما تميل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ودول عربية إلى استمراره كعامل توازن في الملف السوري.

تأتي هذه التقديرات بعد إعادة مذكرة تفاهم في 9 آب/أغسطس تحديد وظائف المنشآت الروسية، واستمرار موسكو في إمداد مواقعها الساحلية، ووصول قافلة بحرية روسية إلى طرطوس في أيلول/سبتمبر. كما احتفظت روسيا بدور اقتصادي مؤثر، لتصبح المورد الرئيسي للنفط الخام إلى سوريا خلال العام الجاري.

مصالح تتجاوز الأنظمة

يصف محمود الأفندي، الخبير في الشؤون الروسية، العلاقة بين البلدين بأنها "قدرية"، تفرضها المصالح الاستراتيجية والجغرافيا، بغض النظر عن طبيعة الأنظمة الحاكمة. ويرى الأفندي في حديث إلى "النهار" أن روسيا تحتاج إلى سوريا للحفاظ على حضورها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط وشرق المتوسط. وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى الشراكة الروسية لمواجهة التهديدات الإسرائيلية، معتقداً أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية تعارض قيام دول قوية على حدودها، وأن الغرب لن يساعد سوريا على بناء قوة عسكرية كبيرة.

يقر الأفندي بأن موسكو خسرت معركة سياسية مع الغرب بشأن مسار الانتقال في سوريا بسقوط الأسد، لكنه يؤكد أنها احتفظت بمصالحها الاستراتيجية. وتتمثل أبرز الأوراق الروسية في التسليح والتدريب والخبرات العسكرية، بالإضافة إلى إمكانية المساهمة في مشاريع البنية التحتية. ورغم أن القدرات الاقتصادية الروسية لا تسمح بتقديم مستويات مرتفعة من الدعم المالي، يبقى التعاون العسكري مجال تفوقها الأبرز. أما المقابل الذي تبحث عنه موسكو فيتمثل في الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري، أو ضمان حياد دمشق في الصراع بين روسيا والغرب. ويرى الأفندي أن روسيا لا تحتاج بالضرورة إلى دول تتحالف معها، بقدر حاجتها إلى دول لا تنحاز ضدها.

موسكو والتوازنات الإقليمية

تكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية مع احتدام التنافس التركي–الإسرائيلي في سوريا، والذي تجلى في القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور العسكري في آب، على خلفية الخلاف بشأن احتمال انتشار قوات تركية فيه. ويرى الأفندي أن الوجود الروسي قد يوفر هامشاً إضافياً لضبط التوازنات الأمنية، وأن إسرائيل تستطيع الاستفادة من قنواتها مع موسكو في إدارة التوتر مع دمشق، فيما يتحدد الموقف الأميركي وفق تأثير هذا الحضور في مصالح واشنطن.

ويتوقع أن تتطور العلاقات السورية–الروسية بصورة أفضل مما كانت عليه في عهد الأسد، لتنتقل إلى تفاهمات تقوم على المصالح المتبادلة. فدمشق تستطيع الاستفادة من موسكو عسكرياً واقتصادياً دون تبني مواقفها الدولية، بينما تحتفظ روسيا بحضورها الاستراتيجي دون تحمل أعباء التحالف السابق. وتكشف المفاوضات الجارية أن مستقبل القواعد الروسية أصبح مرتبطاً بقدرة موسكو على تقديم مكاسب عسكرية واقتصادية لدمشق، وباستعداد الأخيرة لمنحها موقعاً في الترتيبات الأمنية الجديدة. وبين حاجتها إلى شركاء متعددين ورغبتها في توسيع هامش قرارها، تمتلك القيادة السورية اليوم قدرة أكبر على التفاوض بشأن شروط الوجود الروسي، بعدما كانت موسكو صاحبة الدور الحاسم في حماية النظام السابق.

شارك الخبر: