عبد الرحمن السيد: طبيب مصري يتحدى ترامب والديمقراطيين في ميشيغن


هذا الخبر بعنوان "عبد الرحمن السيد.. شعبوي يساري يتحدى ترامب والديمقراطيين" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب ولاية ميشيغن الأميركية، حيث لطالما شكلت مصانع السيارات والنقابات العمالية معاقل للحزب الديمقراطي، يخوض عبد الرحمن السيد، الطبيب الأميركي من أصول مصرية، معركة انتخابية تتجاوز مجرد الفوز بمقعد في مجلس الشيوخ. بعد أن هزم مرشحة المؤسسة الديمقراطية في الانتخابات التمهيدية، يجد السيد نفسه في مواجهة خصمه الجمهوري مايك روجرز، المدعوم من الرئيس دونالد ترامب، وفي ظل انقسام داخل حزبه وصل إلى حد إعلان منافسته السابقة، النائبة هايلي ستيفنز، تأييد روجرز. هذه المفارقة تلخص مشروع السيد، البالغ من العمر 42 عاماً، الذي يمزج بين جذور عمالية وتعليم نخبوي وخطاب شعبوي يساري. يصف السيد نفسه بأنه رأسمالي يرفض الاشتراكية، لكنه يدعو إلى مواجهة نفوذ الشركات والممولين، ويرى أن استعادة الطبقة العاملة من قبضة الجمهوريين تتطلب إصلاحاً جذرياً للحزب الديمقراطي نفسه. ويطمح إلى أن يصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ، في اختبار لقدرة التيار التقدمي على توسيع قاعدته خارج معاقله التقليدية.
نشأة بين الإسلام والنقابات: وُلد عبد الرحمن محمد السيد في 31 تشرين الأول/أكتوبر 1984 بمنطقة ديترويت. والده مصري من الإسكندرية، هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1978 لمتابعة دراساته، وعمل مهندساً في شركة "جنرال موتورز"، وانخرط في النشاط النقابي وأوساط الجالية المسلمة. بعد انفصال والديه، نشأ مع والده وزوجة أبيه الأميركية جاكلين جونسون، في بيئة جمعت بين الثقافة الإسلامية المصرية والتقاليد المسيحية والريفية للغرب الأوسط الأميركي. هذه النشأة أتاحت له الاحتكاك بمجتمعات المهاجرين والعمال والعائلات البيضاء الريفية، مما يفسر محاولته تجاوز الانقسامات الدينية والعرقية عبر خطاب يركز على المصالح الاقتصادية المشتركة.
درس السيد علم الأحياء والعلوم السياسية بجامعة ميشيغن، وحصل على منحة رودس للدراسة في أكسفورد، حيث نال الدكتوراه في الصحة العامة، ثم شهادة الطب من جامعة كولومبيا عام 2014. اتجه لاحقاً إلى الإدارة الصحية، فتولى عام 2015 إعادة بناء إدارة الصحة في ديترويت بعد أزمة الإفلاس، قبل انتقاله إلى إدارة الصحة والخدمات الإنسانية في مقاطعة واين. أشرف على برامج لصحة الأطفال ومواجهة الإدمان، بما في ذلك توسيع توفير عقار "نالوكسون"، ومشروع لإلغاء الديون الطبية، حيث شطب المشروع نحو 57.4 مليون دولار من الديون لنحو 83 ألفاً و291 شخصاً، رغم أن الهدف المعلن كان 700 مليون دولار، وهو ما أثار انتقادات حول المبالغة في عرض النتائج. شكلت هذه التجربة أساس رؤيته بأن الفقر والديون والسكن والظروف البيئية عوامل تحدد صحة المواطنين. لكن خصومه ينتقدون مغادرته مناصب إدارية لخوض الانتخابات وعدم شغله منصباً منتخباً، فضلاً عن عدم إكماله التدريب اللازم للحصول على ترخيص الممارسة السريرية.
من هزيمة 2018 إلى انتصار 2026: بدأ السيد مسيرته الانتخابية عام 2018، عندما ترشح لمنصب حاكم ميشيغن بدعم من بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، لكنه خسر أمام غريتشن ويتمر. استثمر هذه التجربة في بناء شبكة من المتطوعين والناشطين، قبل مشاركته في حملة ساندرز الرئاسية عام 2020. عندما عاد للمنافسة عام 2026، كانت البيئة السياسية قد تغيرت بفعل عودة ترامب إلى الرئاسة، وتصاعد الخلاف الديمقراطي بشأن إسرائيل، واتساع الانتقادات لنفوذ المال في الانتخابات. في الرابع من آب/أغسطس، انتزع ترشيح الحزب لمجلس الشيوخ من ستيفنز، المدعومة من قيادات حزبية وجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل. لكن الفوز كشف حدود تحالفه الانتخابي، فميشيغن تضم تجمعات عربية ومسلمة مؤثرة في ديربورن وديربورن هايتس، ومدناً ذات كثافة سكانية سوداء، أبرزها ديترويت وفلينت، ومناطق صناعية وريفية تراجع فيها نفوذ الديمقراطيين. أظهر الاقتراع التمهيدي قوة السيد في مناطق الحضور العربي والمسلم، مقابل تأييد ملحوظ لستيفنز لدى ناخبين سود ووسطيين. يحتاج السيد إلى توسيع قاعدته بين هؤلاء والعمال والمستقلين، خصوصاً بعدما شهدت الولاية احتجاجاً انتخابياً على دعم إدارة جو بايدن لإسرائيل خلال انتخابات 2024، تجسد في حركة "غير ملتزم"، قبل فوز ترامب فيها.
شعبوية اقتصادية وغزة تعمّق الانقسام: يعرّف السيد نفسه بأنه رأسمالي، لكنه يرى أن الاحتكارات والثروات الكبرى أفسدت المنافسة الاقتصادية والعملية الديمقراطية. ينتمي سياسياً إلى تيار الشعبوية اليسارية الذي يجعل الصراع بين المواطنين والنخب محوراً لخطابه. يدعو إلى توسيع التأمين الصحي الشامل، وخفض تكاليف المعيشة، وزيادة الضرائب على المليارديرات، وإصلاح تمويل الحملات الانتخابية. كما يطالب بإنشاء وكالة اتحادية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، ووقف الأبحاث الأكثر تقدماً فيه مؤقتاً، محذراً من تداعياته على الوظائف والطاقة والمياه. تختصر حملته أولوياتها في إخراج المال من السياسة، وإعادة المال إلى جيوب المواطنين، وتوفير الرعاية الصحية للجميع. يرى أن الديمقراطيين فقدوا قطاعات من الطبقة العاملة بسبب ابتعادهم عن مطالبها الاقتصادية، وأن مواجهة ترامب تستلزم خطاباً أكثر وضوحاً. خارجياً، يتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ويدعو إلى وقف تسليحها والمساعدات العسكرية غير المشروطة لها. يعارض الحرب الأميركية على إيران، وينتقد المساعدات العسكرية المقدمة إلى حكومات أجنبية، بينها مصر. أدان هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 واستهداف المدنيين، ودافع عن حق الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود في تقرير المصير. أثارت مواقفه اعتراضات من منظمات وشخصيات مؤيدة لإسرائيل، لكنها منحته حضوراً لدى ناخبين يعارضون السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، لتصبح غزة عاملاً في إعادة تشكيل التحالفات الديمقراطية.
ستيفنز تختار الجمهوريين: بلغ الانقسام ذروته في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، عندما أعلنت ستيفنز تأييد روجرز، بعد خلاف بشأن إعلان للجنة سياسية مستقلة ربط ارتفاع تكاليف المعيشة بالمساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل. اعتبرت ستيفنز الإعلان معادياً للسامية، فيما أكد السيد أن حملته لم تنتجه. تفاقم الخلاف بشأن مشاركة ستيفنز في فعالية لإظهار وحدة الديمقراطيين، قبل ظهورها إلى جانب روجرز. وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر قرارها بأنه "خيانة مشينة"، واستقال موظفون من مكتبها احتجاجاً، فيما أعلنت حملة السيد جمع 2.4 مليون دولار خلال يوم واحد. كشفت الواقعة أن الخلاف بشأن إسرائيل بات قادراً على تجاوز المنافسة الداخلية إلى إعادة رسم التحالفات الحزبية، في وقت يحاول فيه السيد إبقاء الاهتمام منصباً على تكاليف المعيشة والوظائف.
ترامب والهوية الأميركية في مواجهة: في مواجهة روجرز، العضو السابق في مجلس النواب والعميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، يعتمد السيد خطاباً هجومياً ساخراً، يصور خصمه تابعاً لترامب. في المقابل، استهدف ترامب هويته الإسلامية، متهماً إياه خلال تجمع انتخابي في 25 تشرين الأول/أكتوبر، بأنه "عضو جهادي في جماعة الإخوان المسلمين". نفى السيد انتماءه إلى الجماعة، فيما خلص تحقيق لموقع "PolitiFact" إلى أن الاتهام لا يستند إلى أدلة. يعزز السيد حضوره عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقدماً نفسه أباً ومواطناً أميركياً عادياً، ومستخدماً السخرية والرموز الوطنية. وهو بذلك لا يكتفي بمواجهة سياسات ترامب، بل ينازعه على تعريف الوطنية الأميركية وعلى مخاطبة الناخبين الغاضبين من المؤسسات. في المرحلة الأخيرة من الحملة، حصل السيد على دعم شخصيات ديمقراطية بارزة، بينها باراك أوباما وكامالا هاريس، إلى جانب ساندرز وقيادات تقدمية، في محاولة لتوحيد الحزب خلفه رغم انقساماته. لكن التحدي الأكبر يتجاوز نتيجة الاقتراع. فحتى إذا فاز، سيواجه داخل مجلس الشيوخ توازنات ومصالح تجعل تنفيذ برنامجه رهناً بتحالفات تشريعية واسعة. وبين التمرد والعمل من داخل النظام، يختبر السيد إمكانية تحويل الشعبوية اليسارية من حركة احتجاجية إلى مشروع حكم، وإعادة بناء التحالف الاجتماعي الذي فقد الديمقراطيون أجزاء واسعة منه لمصلحة ترامب.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة