لبنان
ثقافة

الإنسان: جملة اعتراضية في رحلة الحياة الأبدية

النهار٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٤ ص0 مشاهدة
الإنسان: جملة اعتراضية في رحلة الحياة الأبدية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "جمل اعتراضية في كتاب الوجود" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

هل الإنسان مجرد وعاء فارغ ينتظر من يملأه، ليكتشف في نهاية المطاف أن الفراغ كان رفيقه الأصدق؟ قد تبدو الحياة أحيانًا كفنجان قهوة نعده بعناية فائقة، ثم ننشغل بالحديث عنه فيبرد. لا نأسف على القهوة الباردة بقدر ما نأسف على الكلمات التي جعلناها أهم من دفئها. هكذا نمضي، نحضر للفرح ونصفه طويلاً، وحين نمد أيدينا إليه، نجده قد تحول إلى ذكرى باردة.

علمنا الغياب أن الأشياء لا تبرز قيمتها إلا عند فقدانها؛ فالضوء لا ندركه إلا في العتمة، والجدران لا نعرفها إلا حين نُحرم من العودة إلى بيوتنا. يبدو أن الفقد هو اللغة الوحيدة التي تعرفنا بها الأشياء إلى نفسها، بينما الحضور مجرد مسودة أولية، والغياب هو النص النهائي الذي تكشف به الأشياء عن جوهرها.

يُقال إننا لا نعبر النهر مرتين، والأدق أن النهر هو الذي لا يعبرنا مرتين؛ فنحن نتغير ونصبح غرباء عن الماء الذي عرفناه. الوعي لعنة أنيقة، تدرك فيها أن الشيء يمضي وهو لا يزال بين يديك. كل لحظة هي فنجان يبرد بينما نتأمل بخاره، والتأمل نفسه سرقة من الدفء. ربما تكون الكائنات غير المفكرة أكثر حظاً، تشرب قهوتها ساخنة دون أن تدرك أنها ستبرد.

الذات مدينة تُعاد عمارتها فوق أنقاضها مراراً، تحت كل وجه نحمله يكمن وجه سابق مدفون، وتحت كل يقين يكمن يقين منهار. نُصلح الشروخ كل صباح ونسمي ذلك نضجاً، ثم تأتي أول نسمة هواء، أو رائحة، أو لحن، أو جملة عابرة، فيسيل الطلاء ويكشف التاريخ بأكمله.

يُقال إن المرء يرحل خفيفاً إذا لم يملك شيئاً، وأنا أقول إن أثقل الحقائب هي تلك التي نحزمها ولا نسافر بها. في كل قلب حقيبة عند الباب منذ سنوات، لا تُفرغ ولا تمضي، نتعثر بها كلما حاولنا الدخول إلى أنفسنا، حتى نعتاد التعثر ونظنه مشياً.

الحياة سيجارة يطفئها القدر دائماً في منتصفها؛ لا أحد يموت وقد أتم نفسه. نحن جميعاً جمل اعتراضية في كتاب لم نقرأ أوله ولن نبلغ آخره، نُكتب بين قوسين ونتوهم أننا المتن. ولعل في هذا النقصان حكمة خفية؛ فالأشياء المكتملة تموت من الملل، والناقصة تظل تشتهي، والشهوة هي الاسم الآخر للحياة.

الزمن ليس خطاً مستقيماً كما علمونا، بل هو دائرة تدور حول جرحها. الساعة المعلقة على الجدار لا تقيس الوقت، بل تحصي عدد المرات التي عدنا فيها إلى الرقم ذاته، إلى الوجع ذاته، إلى الاسم ذاته، ونحن نظن أننا نتقدم. ربما لا نشيخ لأن الأيام تمضي، بل لأنها تعود، ولأننا في كل عودة نجد الجرح في مكانه، أقل نزفاً وأكثر رسوخاً.

الذاكرة لا تخوننا، بل تنتقي، وفي الانتقاء خيانة أنيقة. تحتفظ لنا بلون فنجان مكسور، وتضيع وجه من كسره، ربما لأنها تعرف أننا لا نحتمل الحقيقة كاملة، فتعطينا ما يكفي لنتألم، لا ما يكفي لنفهم.

الإنسان منفى بالفطرة؛ طُرد من رحم دافئ، ثم من طفولته، ثم من دهشته الأولى، ثم من حب ظنه أبدياً، ثم من يقينه. وكل باب أُغلق في وجهه صار وطناً يحن إليه. فهل نسكن الأماكن، أم نسكن الأبواب التي أُغلقت دوننا، ونسمي حنيننا إليها انتماءً؟

لهذا اخترعنا اللغة؛ نكتب لنترك أثراً، فنكتشف أننا نبني للحظات الهاربة قصوراً من حبر، ثم نعود لنسكن في الخراب. الكتابة لا تهزم الرحيل، ولا تمنح الكاتب خلوداً، بل تمنحه حق الاحتجاج الجميل على الفناء. وفي الليل، حين أرفع رأسي إلى السماء، يخطر لي أننا قد نكون نحن أيضاً ضوء نجوم ماتت؛ ما يراه الآخرون منا ليس نحن، بل ما كنّاه قبل سنوات ضوئية من الوجع. يمدحون فينا بريقاً انطفأ مصدره منذ زمن، ولا يعرفون أن الضوء يصل دائماً متأخراً عن صاحبه. ولعل هذا هو العزاء الوحيد الممكن: أن نظل نضيء لأحد ما بعد أن ننطفئ.

شارك الخبر: