عقل العويط: قصيدة "كحياةٍ في الجحيم" تعيد تعريف الشعر والوجود


هذا الخبر بعنوان "عقل العويط: أنا الجحيم والجحيم أنا" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تستعرض قصيدة الشاعر عقل العويط الأخيرة، "كحياةٍ في الجحيم" (دار رياض الريس)، جوانب متعددة تستحق التأمل، بدءًا من تعريفه للشعر المنفلت من أي قيد، مرورًا بلغته الفريدة، وصولًا إلى طبقات "جحيمه" المتعددة. يبدو الشاعر، في هذه القصيدة، وكأنه يستعيد عنوانه السابق "إنجيل شخصي"، حيث تتلاشى المسافة بينه وبين الجحيم، ليصبح "أرضُكَ جحيمُكَ والجحيمُ أنتَ وأنتَ".
لا يقدم العويط تعريفًا جامدًا للشعر، بل يجرده من كل تعريف، معتبرًا أن الشعر "وحده ينجو" و"يتقدّم"، وأنه "المصير" و"طريقةٌ للإقامة في الجحيم" و"ما لا يُوصف". فكل وصف يتلاشى، ويبقى الشعر "الكائن، لا الكتابة عن الكائن"، وهو ليس مجرد قصيدة مكتوبة، بل الكيان الشعري ذاته. إنه "طريقةٌ للوجود حين يستحيل الوجود"، و"اللعنة والحياة معًا، هو ما يبقى بعد انسحاب صاحبه". ومن أروع تعريفاته: "ولسوف نصًّا تكون بعد اختفائكَ، بعد انسحابكَ إلى الفراغِ المنتظم، كلغةٍ تشتغل وحدها احتجاجًا على انكفاءِ صاحبها".
يصف العويط الشعر بأنه "شكلَ العيشِ، شكلَ الموتِ، وطريقتَهما"، وليس "تعبيرًا عن الذات، هو احتجاج اللغة حين تنكفئ الذات". إنه "النجاة التي لا تُنجّي"، فالحب والجسد والبلاد لا تنجو، والشيء الوحيد الذي ينجو، "وتكون نجاته شكلًا من أشكال الاحتراق المشترك"، هو القصيدة. إنها "محور الكون" و"ما يبقى عندما تفشل كل أشكال النجاة: الحب، الجسد، اللغة نفسها". وكل شيء يحدث له، "من أجله، بسببه". يمرّ في لحظته كل الفلاسفة والشعراء والموسيقيين، ولذلك كان السطر الأخير في الكتاب نهائيًا: "وشاعرًا كنتَ وشاعرًا تكون".
يستلهم العويط مقولة مارتن هايدغر بأن "اللغة مسكن الوجود"، ليؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي المجال الذي يتجلى فيه الوجود. في ديوانه "كحياة في الجحيم"، يسكن العويط لغته ويكتب في قصيدته لغةً عن اللغة، حيث "الجملة عنده لا تنتهي أبدًا، تتعمّد أن تتكسّر في منتصفها: ولسوف... ولسوف... ولسوف...". اللغة عنده ليست أداة، بل هي المشكلة نفسها، هي الجسد، والجسد ليس جسدًا حيًّا، بل جسد فلسفي. المرأة ليست امرأة، بل "فكرة عن العدم"، تحارب العدم بأن تصير عدمًا، وذلك بتفريغ اللغة من وظيفتها، حيث "كل كلمة أثقل من قدرتها على المعنى". يضغط اللغة حتى تخرج منها لغة أخرى. الرماد عنده ليس نهاية اللغة، بل مادّتها الجديدة، فيبدو نصه كأنه يُمحى وهو يُكتب. يكتب ليمحو. اللغة ليست ما نتذكّره، بل كيف نتذكّر: "الذاكرة الحقيقية لا تُستدعى بالإرادة، إذ تُباغت كعقلٍ باطنٍ، كجسدٍ باطنٍ... كرائحة بُنّ".
باختصار، لغة عقل العويط لا تكتب عن الجحيم، بل قررت أن تعيش فيه لتصبح هي نفسها شكلًا من أشكال النجاة. اللغة تلهث في النص، بقلة نقاط وفواصل قليلة، لمنع القارئ من التوقف. لا يكتب عقل العويط عن الجسد المادي، بل يكتب بالجسد، بالجسد الثاني الذي يسكن تحت الجلد، له ذاكرة ولغة وطفل داخله. يحاول أن يجعل الحروف تلمس، أن تصير الكلمة لمسًا لا معنى. وعندما تفشل الكلمة يقول: "ولسوف".
الجحيم في نص عقل العويط ليس مكانًا، بل طبقات ومادة الوجود والقصيدة والشعر واللغة. إنه الجحيم الوجودي: "قلبك هو قبرك". والبلاد التي نسكنها هي الجحيم نفسه: "القدسُ لن تكون القدسَ / ولا دمشقُ دمشقَ / ولسوف بيروتُ تبكّت بيروتَ / وبغدادُ لسوف نخلةً مشقوقةَ القلب". ونسكن جحيم الهويات المتعددة: مانويّون، زرادشتيّون، نقيّون، قسطنطينيّون، بيزنطيّون، شركس، يونان، حاخامون، قساوسة، معمّمون، متلفّعون، إثنا عشريون، فرقة ناجية، صهاينة، عرب، عقّال، كفّار، ولا أدريّون. هذا التعداد الطويل والمُرهق للأمم والطوائف والفرق الناجية يؤكد أنه لا أحد ينجو. يستثني الشاعر أحدًا: "وها هؤلاء أجدادي، وأرضي هي قبري، ولسوف لن أستثني أحدًا منهم، لئلّا يعتري الجحيمَ شيءٌ من إجحافٍ".
ويستدعي العويط في الجحيم الأدبي الشعراء الملعونين كشهود: رامبو يحرق الأبجدية، بودلير يضع في الشقوق عطر العفن الجميل، إليوت يعبر الخراب، سان جون بيرس، فان غوغ، بيسّوا، ريتسوس، ريلكه، بول تسيلان، المعرّي، دوستويفسكي، راسكولنيكوف، ودانتي. لقد كان عقل العويط يكتب سابقًا "أنا في الجحيم"، أما الآن فيكتب: "أنا الجحيم، والجحيم".
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة