لبنان
سياسة

الإدارة العامة: حافلة الإصلاح في المقاعد الخاطئة.. هل يجلس الركاب في أماكنهم الصحيحة؟

النهار٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٠٨ ص0 مشاهدة
الإدارة العامة: حافلة الإصلاح في المقاعد الخاطئة.. هل يجلس الركاب في أماكنهم الصحيحة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حافلة الإدارة العامة تسير… وموظفوها يجلسون في المقاعد الخطأ" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتكرر خطط إصلاح الإدارة العامة بأهدافها المألوفة: الرقمنة، التحديث، مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات. تُرسَم الخطط وتُعلَن التوجهات، لكن الواقع يظل جامداً، كأن الحافلة جاهزة للانطلاق لكنها لا تبرح مكانها. قد يكمن السبب في سؤال جوهري غالباً ما يُغفل: من هم قادة هذه الرحلة؟ وهل يجلس كل منهم في المكان الذي يبرز فيه أفضل ما لديه؟

يستعرض الباحث الأميركي جيم كولينز في كتابه "من جيّد إلى عظيم" (Good to Great) دراسة لمؤسسات انتقلت من الأداء العادي إلى الاستثنائي. خلصت الدراسة إلى أن هذه المؤسسات لم تبدأ بتحديد وجهتها ثم البحث عن منفذين، بل اهتمت أولاً باختيار الأشخاص المناسبين. استخدم كولينز صورة الحافلة للتوضيح: قبل التفكير في الطريق، يجب التأكد من صعود الأشخاص المناسبين، ومغادرة غير المناسبين، وجلوس كل شخص في المقعد الذي يتلاءم مع قدراته. عندها فقط يصبح اختيار الوجهة والخطة واقعياً.

تطرح هذه الفكرة مسألة جوهرية في الإدارة: جودة الخطط لا تكفي دون كفاءات قادرة على تنفيذها. الأشخاص المناسبون في المواقع المناسبة يمنحون المؤسسة قدرة أكبر على التعامل مع المتغيرات. أما وضع الموظف في موقع لا يتناسب مع مهاراته، فيُهدر طاقته ويحدّ من مساهمته.

بالنظر إلى الإدارة العامة اللبنانية، نجد أن الحافلة تحمل ركاباً كثيرين، لكن توزيعهم على المقاعد لا يعكس بالضرورة خبراتهم وقدراتهم. يصل البعض بفعل الأقدمية أو التوازنات أو اعتبارات لا ترتبط بالكفاءة. موظف يمتلك قدرة تحليلية قد يكون في موقع إداري روتيني، وآخر يجيد التواصل قد يقضي يومه بين المعاملات، وثالث بمؤهلات قيادية لا تتاح له فرصة تحمل المسؤولية. في المقابل، تبقى مواقع أساسية شاغرة، وتتراكم المهام على موظفين يحاولون تغطية أكثر من وظيفة، في ظل تجميد التوظيف وهجرة أصحاب الخبرات.

هذا لا يعني غياب الكفاءات، بل قد تكون موجودة لكنها لا تعمل في المواقع التي تسمح لها بإظهار قدراتها. يصبح الخلل أعمق من نقص الموظفين أو محدودية الموارد، لأن المؤسسة لا تستفيد من طاقاتها المتاحة.

أما الخطوة الثانية في تصور كولينز، وهي مغادرة الأشخاص غير المناسبين، فتكتسب في الإدارة العامة اللبنانية أبعاداً مختلفة. الوظيفة العامة ترتبط بضمانات قانونية واستقرار وظيفي. لكن صعوبة الاستغناء عن الموظف لا تعني استحالة تحسين أدائه أو إعادة النظر في موقعه. هذا يجعل حسن الاختيار عند التعيين، ودقة توزيع المسؤوليات، أكثر إلحاحاً. تكمن فجوة أساسية في إدارة الموارد البشرية، حيث يُتعامل مع الموظف بناءً على المسمى الوظيفي أو الموقع المتاح، لا من فهم حقيقي لما يستطيع القيام به. أسئلة مثل: أين تكمن نقاط قوته؟ ما المهارات التي اكتسبها؟ أي المهام ينجزها بكفاءة؟ نادراً ما تجد مكانها في القرارات الإدارية اليومية، في ظل غياب توصيف وظيفي فعال وآليات تقييم.

الأمر لا يتعلق بالكفاءة المهنية وحدها، بل بالمهارات الشخصية ومجالات الإبداع. تجاهل هذه الفوارق يضع الجميع في قوالب متشابهة، ويحرم الإدارة من الاستفادة من تنوع قدرات فريقها. مع مرور الوقت، يتكيف الموظفون، أو يفقدون الحافز، أو يشعرون بالاستياء لرؤية زملائهم في مواقع لا تتناسب مع مؤهلاتهم. يمتد سوء توزيع الأدوار إلى أجواء العمل والعلاقات داخل المؤسسة.

تنشغل القيادة الإدارية أحياناً بتغيير الخطط والهياكل التنظيمية دون التوقف عند واقع الموظفين الذين يُفترض أن يضعوا هذه الخطط موضع التنفيذ. تتغير الوجهات المعلنة، لكن الركاب يبقون في مقاعدهم، وتظل أسباب التعثر قائمة. وحين لا تتحقق النتائج، يُشار إلى نقص التمويل أو تعقيد الإجراءات، فيما لا يحظى توزيع المسؤوليات بالاهتمام نفسه.

يدفع المواطن ثمن هذه الاختلالات في معاملاته المتأخرة وخدماته المتعثرة. قد يكون وراء هذه التجربة موظف يمتلك القدرة على إنجاز المطلوب بصورة أفضل، لكنه يشغل موقعاً آخر لا يسمح له بذلك.

إصلاح هذا الخلل لا يبدأ بالضرورة بتوظيف أعداد كبيرة أو رصد اعتمادات مالية إضافية. يمكن أن تبدأ العملية ببساطة: التعرف إلى الموظفين الموجودين، مراجعة مهاراتهم وخبراتهم، والاستماع إلى آرائهم. يلي ذلك تحديث التوصيفات الوظيفية، ووضع آليات تقييم موضوعية، وإعادة توزيع الأدوار. يجب أن تصبح مراجعة المواقع والمسؤوليات جزءاً من العمل الإداري المستمر.

لا يمكن اختزال أزمة الإدارة العامة اللبنانية في سوء توزيع الموظفين، فهناك تحديات بنيوية ومالية وتشريعية وسياسية. لكن تجاهل العنصر البشري يجعل أي محاولة للإصلاح ناقصة. المؤسسات تحتاج إلى أشخاص يعرفون أدوارهم، ويمتلكون الأدوات اللازمة لأدائها، ويجدون في مواقعهم ما يتيح لهم تقديم أفضل ما لديهم.

حافلة الإدارة العامة اللبنانية ليست فارغة بالضرورة، ولا ينقصها أشخاص قادرون على العمل. فيها ركاب يمتلكون الخبرة والاستعداد، لكن بعضهم يجلس في المكان الخطأ، وبعض المقاعد لا يزال شاغراً، فيما يواصل آخرون تحمل أعباء تفوق ما خُصّص لهم. قبل رسم طريق جديد للحافلة، حان الوقت للالتفات إلى ركابها، والسؤال: هل يجلس كل شخص في المقعد الذي يساهم من خلاله في الوصول؟

شارك الخبر: