الصقور المهربة: شبكات عابرة للحدود من العراق وسوريا إلى الخليج عبر لبنان


هذا الخبر بعنوان "عالم تهريب الصقور: من العراق وسوريا إلى الخليج عبر لبنان" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تكشف قضية صقر هارب عُثر عليه في منطقة جردية بقضاء بعلبك في 27 تشرين الأول 2026، عن عالم خفي من تهريب الصقور والاتجار بها. ادّعى شخص ملكية الطائر، لكن تبين لاحقاً أنه يسعى للاستحواذ عليه وبيعه. وبحسب وثائق اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع المهددة بالانقراض (CITES)، كان الصقر قد بيع من بريطانيا إلى الإمارات العربية المتحدة، ووجد في سوريا بغرض الصيد قبل أن يصل إلى لبنان ويُخطف. ينتمي هذا الصقر إلى نوع هجين يجمع بين الشاهين والجير (Gyrfalcon)، مما يرفع قيمته المالية. كان صاحبه قد زودّه جهاز تتبع (GPS) وخاتم للتعرف عليه، لكن أشخاصاً في المنطقة طالبوا بفدية مالية لإعادته. بعد فقدان الأمل، تواصل صاحبه مع متابع للقضية، الذي أبلغ الدرك وتم تسلم الصقر بعد مفاوضات. تسلط هذه الواقعة الضوء على تجارة الطيور البرية والجوارح في لبنان، حيث لا تقتصر على الإدخال والإخراج غير الشرعي، بل تمتد إلى الاستحواذ وإعادة البيع، نظراً لارتفاع قيمتها وصعوبة ضبط مسارات انتقالها.
تتحرك الصقور والطيور الجارحة عبر مسارات تهريب عابرة للحدود، من الحدود البرية إلى المطارات، مدفوعة بالطلب المرتفع في الأسواق الخليجية. وبينما يُستخدم لبنان ممراً لهذه التجارة، تكشف الوقائع عن ثغرات في الرقابة الرسمية وصعوبة في ضبط حركة الطيور والاتجار بها. شهدت الحدود اللبنانية- السورية والمنافذ الجوية حملات أمنية مكثفة لإحباط عمليات تهريب الطيور البرية النادرة والثمينة، بما فيها الصقور والنسور وطيور الحسون، التي تُنقل عبر مسارات غير شرعية باتجاه سوريا أو دول الخليج العربي.
لبنان ممرّ للتهريب: تدخل الصقور إلى لبنان بطرق غير شرعية من العراق وسوريا، أو من سوريا مباشرة، قبل تهريبها إلى الخارج، خاصة إلى دول الخليج. ويوضح مصدر متابع للقضية أن لبنان لا يضم مزارع متخصصة بتكاثر الصقور وبيعها، ما يجعل سوريا والعراق المصدر الأساسي لهذه الطيور التي تمر عبر الأراضي اللبنانية في طريقها إلى أسواق أخرى. عمليات التهريب، ولا سيما المرتبطة بالطيور البرية، مستمرة على نطاق واسع، في ظل صعوبة ضبط الحدود بالكامل، مما يتيح استخدام ممرات ومعابر غير شرعية لتهريب الحيوانات والاتجار بها. تسلك هذه العمليات مسارين أساسيين: الأول من العراق إلى سوريا، ومنها إلى لبنان وصولاً إلى دول الخليج، والآخر من سوريا مباشرة إلى لبنان، قبل نقل الطيور إلى وجهاتها النهائية. وبذلك، يُستخدم لبنان، بحسب توصيفه، دولة عبور في تجارة الصقور، لا بلداً مصدّراً لها.
تهريب ليلي ومصالح متشابكة: في عام 2023، أوقفت دوريّة من فصيلة البترون شحنة مهرّبة ضمت صقراً وطيوراً أخرى (350 حسوناً وأكثر من 1350 طائر زينة) أُدخلت من سوريا عبر معبر غير شرعي. كذلك عُثر على طائر "عُقاب إمبراطوري شرقي"، وشبلَي أسد، وأعداد كبيرة من "الحساسين البرية" المحظور بيعها. تسلط هذه الواقعة الضوء على تجارة خفية تشمل أنواعاً مختلفة من الطيور. وإن كان بعض عمليات التهريب قد أُحبط، إلا أن هناك عدداً لا بأس به منها حصل بعيداً عن الأنظار. ولا يستبعد المصدر وجود غضّ نظر من بعض الأجهزة الأمنية عن عمليات التهريب، كما يتحدث عن احتمال تورّط بعض العناصر فيها. ينجح المهرّبون والتجار في نقل الصقور والطيور بعيداً من الأنظار، مستفيدين من تنفيذ عملياتهم ليلاً، واستخدام مسارات جبلية وعرة. ويضيف أن بعض شحنات التهريب التي أُوقفت أُفرج عنها لاحقاً، بعد تدخلات لم تتضح ملابساتها. ويقول: "علينا أن نعترف بأن هناك مصلحة في عدم توقيف التهريب، لأنه بكل بساطة هناك مصالح مشتركة".
من الاقتناء إلى التجارة: لا تقتصر وجهة الطيور البرية والجوارح التي تدخل لبنان على إعادة تهريبها إلى الخارج. فبحسب المصدر، يُحتفظ ببعضها في المنازل والقصور الخاصة، فيما يُستخدم بعضها الآخر للتحنيط أو يُربّى في الحدائق والمزارع، إلى جانب الطيور التي تُنقل بغرض الاتجار بها وتصديرها. تتفاوت الأسعار بحسب نوع الطائر وقيمته. أسعار العقاب تتراوح بين 400 و800 دولار. أما الصقور، فتراوح سعرها بين 5 آلاف دولار و800 ألف دولار، فيما وصل سعر بيع أحدها إلى مليون و200 ألف ريال. الإقبال على الصقور يرتبط بحضورها في الموروث الثقافي العربي، وخصوصاً في دول الخليج، حيث ترتبط بالصيد والتراث، فضلاً عن اعتبارها رمزاً للقوة والمكانة. غير أن هذا الشغف، حين يتحوّل إلى طلب تجاري مرتفع، يفتح الباب أمام استغلال الطيور البرية والاتجار بها بطرق غير مشروعة.
ثغرات الرقابة ومسارات التهريب: يربط الدكتور يحيى خطار، رئيس مصلحة مراقبة التصدير والاستيراد والحجر الصحي البيطري في وزارة الزراعة، جانباً من حركة تهريب الصقور عبر لبنان بالتغيّرات التي فرضتها الأزمة السورية منذ عام 2011. تحوّل لبنان إلى ممرّ لجزء من حركة الاستيراد والتصدير المرتبطة بسوريا، بما في ذلك بضائع كانت تُنقل من سوريا عبر الأراضي اللبنانية. المشكلة تكمن في أن الجهات الرسمية لا تستطيع بالضرورة رصد ما يعبر خارج المسارات القانونية. نقل الطيور بصورة قانونية يستلزم مستندات وإجراءات محددة، بينها الشهادات الصحية وشهادات اتفاقية "سايتس". أما الشحنات غير القانونية، فقد تُهرّب تحت أسماء أو تصنيفات أخرى، ما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة. تهريب الصقور يتجه غالباً نحو دول الخليج، لارتباطها بموروث تقليدي، حتى إن بعض هذه الدول يقيم مزادات ومعارض لاختيار أجمل الصقور. يرى خطار أن تهريبها لا يرتبط بالضرورة بشحنات تجارية كبيرة، إذ يمكن أن يجري عبر مسافر يحمل طائراً معه إلى إحدى دول الخليج، مثل قطر أو السعودية أو الإمارات، من دون المرور بالمركز البيطري المختص في المطار. وقد تُنقل الطيور داخل أقفاص صغيرة أو من ضمن الأمتعة لتفادي الكشف عنها. "إن الوزارة وجّهت كتباً إلى الجهات المعنية طلبت فيها إتاحة المجال أمامها للوصول إلى صالونات المسافرين، لأن الطيور التي تُنقل من دون المرور بالمركز البيطري لا تكون تحت رقابتها المباشرة". يرتبط جانب أساسي من تجارة الصقور التي تصل إلى الخليج بالسوق السورية، حيث يحتل الصقّار مكانة خاصة من ضمن تقاليد بعض المجتمعات، وتُقام مسابقات للصقور وتُسجّل في هذا المجال مزادات قد تبلغ قيمتها أرقاماً مرتفعة. وفق خطار، "بعض المهتمين بالصقور يتوجه إلى سوريا لاختيار الطيور بنفسه، قبل نقلها إلى وجهته. وأحياناً تتم عمليات النقل بطرق غير شرعية، بعيداً من الإجراءات الرسمية التي تفرضها الاتفاقات الدولية". لبنان ملتزم اتفاقية "سايتس"، وأن تصدير الأنواع المدرجة من ضمن ملاحقها يخضع لمتطلبات محددة. أما في الحالة السورية، فيقول إن بعض عمليات النقل إلى قطر تتم، وفقاً لمعلوماته، بناءً على ترتيبات بين الطرفين، من دون استيفاء المستندات المطلوبة في المسارات النظامية.
حدود طويلة: يربط صعوبة ضبط التهريب بطبيعة الحدود اللبنانية- السورية، وخصوصاً امتدادها على الجانبين الشمالي والشرقي وتعرّجها، فضلاً عن وجود قرى ومناطق متداخلة على طولها. هذه الجغرافيا تجعل ضبط حركة السلع والبضائع تحدياً مستمراً، لا يقتصر على الطيور. يستعيد خطار قضية شحنة من النعام وصلت إلى لبنان من مصر، من دون الحصول على إجازة الاستيراد المطلوبة. استورد تاجر 15 نعامة من دون استكمال الإجراءات اللازمة، فنفقت 14 منها. استيراد الطيور من مصر يخضع لقيود صحية بسبب المخاطر المرتبطة بإنفلونزا الطيور. عدم إحالة الطيور على الجهات المختصة قد يحول دون تدخلها في الوقت المناسب.
طائر عبر الحدود في كيس بطاطا: في تموز 2025، غادر عقاب إمبراطوري عشه في صربيا، مزوّداً جهاز تتبع علمي. عبر دولاً عدة قبل أن ينقطع أثره في سوريا في تشرين الأول، ليتبيّن لاحقاً أنه وقع في قبضة صيادين غير شرعيين، وعُرض للبيع، ثم انتقل بين سوريا ولبنان، وصولاً إلى مشترٍ في لبنان، قبل أن يُعاد نقله إلى سوريا. بعد مفاوضات طويلة، نُقل إلى لبنان عبر الحدود الشمالية، في ظروف أمنية ومناخية صعبة، حتى إن مجموعة من الأشخاص حملته داخل كيس مخصّص للبطاطا وعبرت به نهر الكبير. وبعد أشهر أمضاها في مركز رعاية في لبنان، عاد إلى صربيا في حزيران 2026 على متن طائرة عسكرية. تكشف رحلة العقاب كيف تتحرك الطيور البرية عبر شبكات تهريب عابرة للحدود. وبينما تتجه الأنظار إلى تجارة الصقور المطلوبة في الأسواق الخليجية، يبرز لبنان ممراً لهذه التجارة، وسط غياب إحصاءات رسمية واضحة عن حجمها ومساراتها. خلف الأسعار المرتفعة وشبكات التهريب، تقف الطيور نفسها في مواجهة ظروف نقل قاسية لا تراعي احتياجاتها أو قواعد الرفق بالحيوان. تُقيّد أرجل الطيور وتُضمّ إلى أجنحتها، لتتحوّل إلى كتلة صغيرة عاجزة عن الحركة، فضلاً عن نقلها بطرق غير شرعية قد تؤدي إلى نفوقها قبل وصولها إلى وجهتها. تجارة الصقور ليست مجرد حوادث تهريب متفرقة، بل نشاط عابر للحدود يستفيد من ارتفاع قيمة الطيور والطلب عليها، ومن صعوبة مراقبة انتقالها بين الدول. يبقى السؤال عن قدرة السلطات اللبنانية على ضبط ما يدخل البلاد وما يعبر أراضيها، وعن مصير الطيور التي تتحول إلى سلعة في سوق تتجاوز قيمتها الحدود والجغرافيا؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة