استطلاعات الرأي في لبنان: بين قياس المزاج العام والتأثير فيه وقانون الإعلام الجديد


هذا الخبر بعنوان "استطلاعات الرأي في لبنان: بين قياس المزاج العام والتأثير فيه" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يناقش هذا المقال التأثير النفسي والسياسي لاستطلاعات الرأي والتصويتات الإلكترونية في لبنان، مع التركيز على دور قانون الإعلام الجديد في تنظيمها لضمان الشفافية. تعبر ميريام ف. عن قلقها من استطلاعات الرأي المنتشرة عبر مجموعات واتساب الإخبارية، خاصة تلك التي تشير إلى توقعات بتوسع الحرب في لبنان. ورغم اعتبارها أنها تعكس آراء المشاركين، إلا أنها لا تمثل بالضرورة الرأي العام اللبناني، وقد تستخدمها القنوات الإعلامية لزيادة المشاهدات. من جهة أخرى، ترى رغدة دغيلي أن نتائج الاستطلاعات لا تؤثر في قناعاتها السياسية الراسخة، لكنها قد تؤثر في آرائها حول قضايا مثل الفساد والإدارة، اعتماداً على حياد الاستطلاع وشموليته. تعكس هاتان التجربتان تبايناً في تلقي الأفراد لنتائج الاستطلاعات، حيث قد تثير القلق لدى البعض وتدفع آخرين لإعادة النظر في مواقفهم. وتتجاوز القضية تلقي الجمهور إلى دقة الاستطلاعات وشفافيتها والجهات الممولة لها والضوابط المنظمة لنشرها.
قانون الإعلام الجديد واستطلاعات الرأي:
يتناول المقال كيفية تعامل قانون الإعلام الجديد مع استطلاعات الرأي، والشروط التي وضعها لضمان شفافية نشرها وتمكين الجمهور من فهم نتائجها وتقييم مدى تمثيلها للرأي العام.
منهجية التمويل: ماذا تكشف استطلاعات الرأي؟
تمت مراجعة عينة من استطلاعات الرأي المنشورة في لبنان خلال عامي 2025 و2026، والتي تناولت موضوعات سياسية وأمنية مثل مواقف اللبنانيين من المفاوضات مع إسرائيل، وحصر السلاح، والتوقعات الأمنية لعام 2026. أظهرت المراجعة تفاوتاً في مستوى الإفصاح عن المنهجية والجهات المرتبطة بالاستطلاعات. فبينما تعلن بعض الاستطلاعات تفاصيل عن حجم العينة وفترة جمع البيانات وطريقة إجراء المقابلات، تفتقر أخرى إلى تفاصيل كافية حول آلية اختيار المشاركين ومدى تمثيلهم للرأي العام. كما أن تحديد الجهة المنفذة أو الناشرة للاستطلاع لا يعني بالضرورة معرفة مصدر التمويل.
دقة النتائج وتمثيلها للرأي العام:
لا يكفي حجم العينة وحده للحكم على دقة النتائج أو إمكانية تعميمها، بل يعتمد ذلك أيضاً على طريقة اختيار المشاركين، وتوزيع العينة، ومعدل الاستجابة، والتعديلات الإحصائية. الإشارة إلى شمول العينة لمناطق وطوائف مختلفة لا تثبت تمثيلها للبنانيين ما لم تتضح آلية الاختيار وتناسب التوزيع مع المجتمع المستهدف. وتكتسب هذه المعايير أهمية خاصة عند التمييز بين الاستطلاعات المنهجية والتصويتات الإلكترونية المفتوحة التي لا يمكن تعميم نتائجها على الرأي العام. مثال على ذلك تصويت عبر واتساب حول توقعات دخول لبنان في حرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حيث صوت نحو 5000 شخص بـ"نعم" مقابل 2000 بـ"لا". هذه النتيجة قد توحي بأن غالبية اللبنانيين يتوقعون الحرب، بينما هي تعكس فقط آراء المشاركين في التصويت، ولم تتضمن تنبيهاً بأنها لا تستند إلى عينة تمثل اللبنانيين عموماً.
تأثير الاستطلاعات على القناعات والمواقف:
توضح الإختصاصية النفسية فاطمة شريم أن الإنسان يميل إلى الانتماء للجماعة، وقد يشعر بالقلق إذا خالف رأيه رأي الأغلبية، مما قد يدفعه للتشكيك في قناعاته أو التنازل عنها. قد يستعين الفرد برأي المجموعة كمصدر للمعلومات في حالات الحيرة أو عدم اليقين. وعندما يرى شخص أن 80 أو 90% من المشاركين يؤيدون رأياً معاكساً لرأيه، قد يبدأ بالتساؤل عن صحة موقفه، خاصة في القضايا المعقدة. وتؤكد شريم على ضرورة التمييز بين اعتبار الاستطلاع معلومة عن آراء المشاركين والتعامل معه كدليل على صحة رأيهم. فالأرقام الكبيرة قد تمنح شعوراً بالقوة واليقين، وتدفع الفرد إلى الاعتقاد بأن الخيار الأكثر شعبية هو الأفضل.
من قياس الرأي العام إلى التأثير في توجهاته:
يرى الدكتور جورج صدقة، العميد السابق لكلية الإعلام في الجامعة اللبنانية، أن استطلاعات الرأي يفترض أن تقيس اتجاهات الجمهور، لكنها قد تؤثر فيه أيضاً من خلال طرح مواقف معينة أو دعم شخصيات محددة، مما يدفع الناس لتبني هذا الموقف. قد يظهر هذا التأثير في الانتخابات، حيث يفضل الناخبون التصويت لمرشح يبدو الأوفر حظاً للفوز. لا يقتصر التأثير على النتائج، بل يشمل أيضاً اختيار الموضوعات التي يُجرى الاستطلاع بشأنها، وتفسير النتائج، وصياغة الأسئلة، وطريقة تحليلها وعرضها. ولا يمكن فصل استطلاعات الرأي عن منظومة النفوذ السياسي والمالي في لبنان، حيث قد تتقاطع مصالح الجهات المموّلة مع الموضوعات والنتائج المراد إبرازها، مما يطرح تساؤلات حول مدى استقلالية هذه الاستطلاعات وإمكان توظيفها للتأثير في الرأي العام.
الاستطلاع العلمي والتصويت المفتوح: فرق في المنهجية والنتائج:
لا يمكن وصف أي عملية بأنها استطلاع رأي بالمعنى العلمي إلا إذا استوفت قواعد ومعايير محددة، بينها تحديد حجم العينة واختيارها وفق أسس منهجية. أما التصويت الإلكتروني المفتوح، فتقتصر المشاركة فيه على المهتمين بالموضوع، ولا يعكس بالضرورة آراء المجتمع بأكمله. ولا يمكن مقارنة نتائجه بنتائج استطلاع يستند إلى منهجية علمية. ويؤكد صدقة أن استطلاعات الرأي لا تقدّم صورة دقيقة تماماً عن الواقع، إذ تنطوي جميعها على هامش من الخطأ، حتى عند إجرائها وفق معايير علمية. يُقدَّر هامش الخطأ في الاستطلاع الجيد بنحو 2 إلى 5 في المئة، وقد تتسع الفجوة أحياناً بين النتائج والواقع. لذلك، ينبغي التعامل مع النتائج بحذر، وعدم اعتبارها انعكاساً مطابقاً للواقع، بل مؤشراً يساعد على تكوين فهم تقريبي لاتجاهات الجمهور.
قانون الإعلام الجديد: نحو استطلاعات أكثر شفافية:
في ظل قدرة استطلاعات الرأي على التأثير في مواقف الجمهور، وضع قانون الإعلام الجديد ضوابط لنشرها، ألزم الجهات المعنية بالإفصاح عن الجهة التي أجرت الاستطلاع وطلبته ومولته، وتفاصيل العينة وطريقة اختيارها، وتاريخ التنفيذ والتقنيات المستخدمة، فضلاً عن هامش الخطأ وحدود تفسير النتائج. والغاية من ذلك تمكين الجمهور من التمييز بين استطلاع يستند إلى منهجية واضحة وتصويت تفاعلي. كما اشترط القانون إرفاق نتائج التصويتات الإلكترونية المفتوحة التي لا تستوفي المعايير المنهجية بتنبيه يوضح أنه لا يمكن الاعتداد بها بالضرورة للتعبير عن توجهات صحيحة للرأي العام. وتترتب على مخالفة أحكام هذا الباب غرامة مالية. ويؤكد صدقة أن القانون جاء ليميّز بين استطلاعات الرأي القائمة على قواعد علمية ومنهجية، وتلك التي تجريها المؤسسات الإعلامية عبر طرح سؤال مفتوح أمام الجمهور، بهدف تمكين المتلقين من التفريق بين الاستطلاع العلمي والتصويت التفاعلي. ويُعدّ الإفصاح عن هذه المعلومات خطوة مهمة لتعزيز الشفافية وتمكين الجمهور من تقييم استطلاعات الرأي بصورة أفضل.
سياسة
سياسة
سياسة
عاجل