لبنان
منوعات

بين أصوات القصف وأحلام الطفولة: فتيات جنوب لبنان يصارعن الواقع في دار الأيتام

المدن٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٦ م0 مشاهدة
بين أصوات القصف وأحلام الطفولة: فتيات جنوب لبنان يصارعن الواقع في دار الأيتام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بين القصف والأحلام: يوميات فتيات في دار أيتام جنوبي لبنان" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب جنوب لبنان الذي تعصف به الحرب، وعلى بعد خطوات قليلة من مناطق تحتلها القوات الإسرائيلية، تسعى عناية سلطان، فتاة في الثالثة عشرة من عمرها، جاهدة لعيش حياة طبيعية. تصنع أساور من الخرز لأختها غير الشقيقة ملاك ذات الأربع سنوات، وتحلم بدراسة الطب، وتقضي وقتها مع صديقاتها المقربات في دار الأيتام ببلدة تبنين الجنوبية. تأسس هذا الملجأ عام 1978 خلال الاحتلال الإسرائيلي السابق، وهو يوفر مأوى للفتيات اللواتي فقدن أحد الوالدين أو كليهما، أو اللواتي تعاني أسرهن من الفقر المدقع.

استشهد والد عناية وملاك، الذي كان يعمل مسعفاً، في غارة إسرائيلية على بلدتهما في آذار/مارس الماضي، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب مجدداً بين إسرائيل و"حزب الله"، بالتزامن مع ضربات أميركية إسرائيلية على إيران. تعيش الفتاتان حالياً في دار الأيتام الذي يضم نحو 40 فتاة أخرى، يبحثن عن واحة من الدفء والحياة الطبيعية قرب "الخط الأصفر" الذي يفصل مناطق الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان.

خلال النهار، تتوجه الفتيات إلى المدرسة في تبنين، ويوفر لهن الدار الزي المدرسي والحقائب ووجبات الغداء. وفي المساء، تضع عناية أختها ملاك في سريرها وتغطيها. تقول عناية: "أحياناً، عندما يبدأ القصف، تعانقني وتقول لي: لقد قصفوا أبي". تشعر عناية برغبة في البكاء، لكنها تكتم دموعها أمام أختها التي تبدأ بالبكاء أيضاً وتطلب والدها. تحاول عناية التماسك من أجل ملاك، التي تحلم بأن تصبح إطفائية أو مسعفة، أسوة بوالدها.

وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، استشهد أكثر من 4 آلاف شخص في غارات إسرائيلية منذ آذار/مارس، بينهم أكثر من 700 من المسعفين والأطفال والنساء. من جانبها، أعلنت إسرائيل من جانب واحد السيطرة على "منطقة أمنية" في جنوب لبنان لحماية سكانها من هجمات المسلحين عبر الحدود. نفى الجيش الإسرائيلي استهداف البنية التحتية المدنية عمداً، متهماً "حزب الله" بنشر معدات عسكرية في المناطق المدنية، وهو ما تنفيه الجماعة.

رغم انخفاض حدة الأعمال القتالية منذ وقف إطلاق النار في حزيران/يونيو، لا تزال القوات الإسرائيلية تحتل مساحات واسعة من الجنوب، مخلفة دماراً في عشرات القرى والبلدات، وأضراراً بالجسور والمستشفيات والمدارس والبنى التحتية العامة. دار الأيتام نفسها تضررت جراء غارة إسرائيلية على مبنى مجاور خلال حرب سابقة عام 2024، وتم إجلاء الفتيات بأمان حينها. جمع الدار تبرعات لإصلاح طابق واحد فقط، وحوّل المناطق المشتركة إلى غرف نوم بسبب الأضرار البالغة في الطابق العلوي. أما الطابق السفلي، الذي كان يضم قاعة للغناء واستقبال الضيوف، فما زال ركاماً.

تقول شيرين سعد (19 عاماً)، التي قضت معظم حياتها في الدار: "إنه أمر محزن جداً. مرت كل ذكرياتي أمام عيني في لحظة واحدة، وهذا يؤلمني كثيراً، لأن كل لحظة وكل غرفة وكل مكان هنا يحمل ذكرى خاصة بالنسبة إلي". تدرس شيرين التصميم الداخلي وتأمل في مواصلة دراستها العليا في إيطاليا، لكنها تخشى أن يعيق الصراع هذه الخطط. "هناك أمور ربما أخطط لها في مستقبلي، لكنها ربما لا تتحقق. لذلك لا أريد أن أرفع سقف توقعاتي كثيراً، فربما لا تسير الأمور كما أتمنى".

توضح فاطمة الجفال (30 عاماً)، المشرفة في دار الأيتام، أن الفتيات أجلين مرة أخرى خلال حرب هذا العام، وعدن ليجدن القوات الإسرائيلية على بعد أقل من كيلومتر واحد. أيام حياتهن تعكرها أصوات الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات هدم المنازل، لكنها أصبحت أمراً شبه طبيعي بعد أشهر من استمرارها. "أدركن أن الحياة يجب أن تستمر. لا يمكننا أن نوقف حياتنا أو نجلس مكتوفي الأيدي في انتظار ما سيحدث. علينا أن نواصل حياتنا، فنحن أقوى من هذه الظروف بكثير، وأقوى من أن نبقى جالسين ننتظر". تقع بلد الجفال، رشاف، داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل، ودار الأيتام هو منزلها أيضاً. "ما الصعوبات التي قد يواجهنها إذا لم يكن هنا؟ لهذا المكان أهمية كبيرة، فهو يحمي الفتيات ويؤمن مستقبلهن وحياتهن الاجتماعية".

من جهته، يشير مدير دار الأيتام علي سعد إلى صعوبات جمة تواجه المؤسسة. الانهيار المالي في لبنان عام 2019 قلل التمويل الحكومي، وستتوقف التبرعات المنتظمة من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان مع انتهاء تفويضها قريباً. خطر اندلاع المزيد من القتال يلوح في الأفق أيضاً. يتساءل سعد: "نريد أن نتمكن من ترميم دار الأيتام، لكن إذا رممناها ووجدنا من يساعدنا، فهل ستتعرض للضرر مرة أخرى؟ هل انتهت الحرب فعلاً؟"

شارك الخبر: