لبنان
سياسة

سد الفرات السوري: عقدان من الإهمال ومخاطر فيضان وشيك تهدد المنشأة الاستراتيجية

المدن٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:١٨ م0 مشاهدة
سد الفرات السوري: عقدان من الإهمال ومخاطر فيضان وشيك تهدد المنشأة الاستراتيجية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سد الفرات في سوريا: عقدان بلا تقييم وفيضان يقترب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه سد الفرات، الشريان الحيوي في الرقة بسوريا، تحديات جسيمة تتفاقم بفعل خمسة عشر عاماً من الحرب، وتراجع الصيانة، وتقلبات المناخ الحادة بين الجفاف والفيضانات. يدق الخبراء والمهندسون ناقوس الخطر بشأن هذه المنشأة الاستراتيجية، محذرين من مخاطر إنشائية وتشغيلية ناجمة عن تداعيات الحرب السورية على مدى عقد ونصف، وزلزال 2023 وما تبعه من هزات ارتدادية. كما أدى تزايد الوارد المائي من تركيا إلى الاضطرار لفتح بوابات السد بشكل غير عادي، مما يستدعي تقييمات فنية عاجلة تتجاوز البيروقراطية الإدارية نحو استراتيجية متكاملة لضمان أمان السد وحوض الفرات.

على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية (2011–2026)، تحول سد الفرات من مشروع وطني لتنظيم مياه النهر وتوليد الكهرباء وري مساحات واسعة، إلى أحد أبرز مؤشرات أزمة المياه والطاقة في سوريا. لم يكن ذلك نتيجة عامل واحد، بل تداخلت فيه عوامل الجفاف، وتراجع الواردات المائية، والسيطرة العسكرية المتعاقبة، قبل أن تعود إدارة مرافقه إلى العاملين والفنيين المختصين في يناير/كانون الثاني 2026 وفق وزارة الطاقة السورية. بالإضافة إلى أضرار الحرب وضعف الصيانة، والتوتر المزمن مع تركيا حول تدفقات النهر، ومشكلات مزمنة في كفاءة استخدام المياه وإدارتها داخلياً.

إلى جانب الحرب، تشير دراسة حديثة لمؤسسة "كارنيغي" إلى أن بحيرة الأسد اقتربت خلال جفاف 2020–2022 من "منسوب التخزين الميت" بنحو متر واحد فقط، ما هدد تشغيل العنفات وسلامة التشغيل الفني. كما وثّقت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) عام 2023 توقف أو تعطل الري في أجزاء من الرقة ودير الزور نتيجة انخفاض التدفق، ما اضطرها مع شركائها لإعادة تأهيل مضخات للتكيف مع المناسيب الجديدة.

يبرز العامل التركي عبر مشروع جنوب شرق الأناضول (الغاب)؛ فبينما ينص بروتوكول 1987 على تدفق متوسط شهري مقداره 500 م³/ثانية إلى سوريا، تتهم مصادر سورية ومنظمات محلية تركيا بخفض التدفقات خاصة منذ 2020، ما فاقم الوضع الكارثي في سوريا والعراق. يؤكد الدكتور أحمد غازي مجر أن الحرب وسوء الإدارة أضافا طبقة ثانية للأزمة؛ فكفاءة تحويل المياه لإنتاج زراعي وكهرباء تعتمد على سلامة شبكات الري والصرف وكفاءة المضخات وصيانة العنفات. يعتمد الري تاريخياً في سوريا على الري السطحي مع مشكلات ملوحة وصرف وفواقد مائية. انخفاض المنسوب يضغط على تشغيل العنفات عند المناسيب الحرجة، فيصبح إنتاج الكهرباء منافساً لاستخدامات المياه الأخرى، ويؤدي نقص الكهرباء لصعوبة تشغيل محطات الضخ، فتتشكل حلقة مفرغة: "مياه أقل، كهرباء أقل، ضخ أقل، إنتاج زراعي أقل، ثم حاجة أكبر إلى المياه والطاقة"، مما يزيد احتمالية الوصول إلى التخزين الميت ويؤثر على سلامة السد.

على الصعيد الإنشائي، لم تخضع سدود الفرات الثلاثة (الطبقة، كديران، منبج) لأي تقييم فني للسلامة الإنشائية والاستقرار وحساب عامل الأمان منذ عشرين عاماً، رغم أن المعايير العالمية تفرض إجراء تقييم شامل كل خمس سنوات. شهدت هذه العقود تغيرات في مناسيب التخزين وتمرير الحمولات وتعرضت المنطقة لهزات أرضية ومعارك وتفجيرات، وسط انعدام لأعمال القياس والمراقبة لغياب الأجهزة المساحية والكوادر المتمكنة، وإهمال الدوائر المدنية والمائية كلياً، خاصة خلال فترة سيطرة "قسد".

حذّر مهندسون من أن فتح البوابات لفترات طويلة ومرات عديدة يُحدث اهتزازات كبيرة في جسم السد قد تسبب انزياحات في أقسام مبنى المحطة وهبوطاً في أساسات السدود الترابية، ما يستوجب تكثيف تواتر القياسات في الظروف الاستثنائية. المؤشر الأخطر هو "الرشح وتسرب المياه" في الأقسام البيتونية أو السد الترابي، يليه "الهبوط والانزياحات" المؤثرة على استقرار السد.

تتقاطع هذه المخاطر مع تحذيرات الخبراء من الحالات الجوية القوية، حيث دقت فيضانات تركيا ناقوس الخطر مبكراً بعد تسجيل إسطنبول هطولاً بلغ 273 ملم في يومين في تشرين الأول 2026، بما يعادل موسماً كاملاً في سوريا. هذه الحالة قد تتكرر باتجاه الدول العربية، ما يوجب على مديريات الموارد المائية إنهاء الصيانة وضمان جاهزية البوابات والمفيضات في السدود الترابية التخزينية بنسبة 100%.

أمام هذه المعطيات، يشدد المهندس بهاء ناشر النعم على وجوب مراقبة سد الفرات والمناطق المحيطة به وقياس توسع الشقوق والانهيارات الأرضية، بعد رصد تشوهات أرضية وشقوق في منطقة الباغوز بدير الزور. كشفت مصادر من داخل سد الفرات عن تأمين أجهزة المراقبة والمساحية مؤخراً، وأنّ هنالك مساعي لاستقطاب عدد من الخبرات الوطنية، لكنّ إدارة السد تنتظر موافقة وزارة الطاقة. حذّر المصدر من أن "الأمور تسير ببطء شديد، والزمن ليس في صالح سد الفرات" مع توقع زيادة الوارد المائي لمستوى مرتفع جداً.

الحل لا يقتصر على المطالبة بمزيد من المياه من تركيا أو تشغيل العنفات بأقصى طاقة، بل يتطلب إدارة متكاملة للحوض تقوم على: مراقبة يومية للمنسوب والواردات، وتحديد "حجم أمان" لا يُمس من المخزون، وجدولة التوليد الكهرومائي وفق قيمة مياه الزراعة والشرب، وتحسين كفاءة الري والصرف، وإعادة تأهيل المضخات والقنوات، وتقليل الملوحة والتغدق، وإنشاء آلية سورية–عراقية–تركية أكثر انتظاماً لتبادل البيانات والتنسيق في سنوات الجفاف. يجب التعامل مع بحيرة سد الفرات كمنظومة أمن مائي وغذائي وطاقوي متكاملة، تنقل الإدارة من "إدارة الأزمة" إلى "إدارة المخاطر والطلب والمخزون" على مستوى الحوض كله.

يدعو المهندس بهاء ناشر النعم إلى انتقال جوهري في سوريا من "إدارة المياه" إلى "إدارة المخاطر المائية"، ومن رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي عبر تطبيق مفهوم "هندسة الزمن المائي"، القائم على الاحتفاظ بجزء من المياه في سنة وفيرة بدلاً من استهلاكها بالكامل لتضاعف قيمتها في سنة جفاف لاحقة. يجب حماية رأس المال المائي الحالي، وتحسين الكفاءة، وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لري المزروعات وتوفير مياه الشرب للأجيال القادمة، معتبراً أن استهلاك نحو 70% من مياه الشرب العذبة للزراعة والري هدر كبير وغير مقبول نهائياً.

شارك الخبر: