جنوب لبنان المنكوب: من سيقود خطة إعادة الإعمار وسط الغموض السياسي؟


هذا الخبر بعنوان "من سيكون مارشال جنوب لبنان؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
من المبكر الحديث عن أي "خطة مارشال" في ظل حالة الغموض الواضحة التي تسيطر على المنطقة، إلا أن الوضع المأساوي في جنوب لبنان والحاجة الماسة لاستقرار حقيقي لا يمكن تجاهلهما. تُظهر صورة التقطت في قرية زوطر الغربية، حفارة إسرائيلية وهي تهدم منزلاً في بلدة زوطر الشرقية بتاريخ 2 نوفمبر 2026.
وكان الأمين العام لـ"حزب الله"، الشيخ نعيم قاسم، قد أكد في كلمة متلفزة يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، التزام حزبه بملف الإيواء وإعادة الإعمار، رافعاً شعار "وعد والتزام". لكن قاسم حمّل مسؤولية هذه المهمة للدولة، متجاهلاً عجزها الواضح، خاصة في ظل تصريحات رسمية لرئيس الحكومة، نواف سلام، تشير إلى أن التكلفة تجاوزت 27 مليار دولار.
في مواجهة هذه الكارثة المستمرة بفعل العدوان الإسرائيلي والتهديد بحرب جديدة، وتراكم الأزمات أمام السلطة اللبنانية وغياب الدول المانحة، يبرز السؤال: من سيضع "خطة مارشال" للبنان الجديد لإعادة الإعمار؟ وما هي الفاتورة السياسية التي سيدفعها لبنان؟
يعود بنا الحديث إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق جورج مارشال، الذي تحدث في كلمة أمام جامعة هارفرد عام 1947 عن التكلفة الباهظة التي تكبدتها الاقتصادات الأوروبية جراء الحرب العالمية الثانية، والآثار الاجتماعية المترتبة عليها. وقد رصدت الولايات المتحدة آنذاك ميزانية تجاوزت 20 مليار دولار لإعادة عافية الاقتصاد الأوروبي. سار الكونغرس الأميركي بـ"خطة مارشال"، وتبناها الرئيس هاري ترومان في أبريل 1948، ليبدأ برنامج "الانتعاش الأوروبي".
قد يظن القارئ للوهلة الأولى أن الولايات المتحدة كانت مدفوعة بالغيرة على أوروبا، لكن الفكر البراغماتي الأميركي يكشف أن هذه الغيرة كانت تحمل في طياتها سياسات أميركية مزدوجة: الأولى، وقف الزحف الشيوعي نحو العمق الأوروبي. والثانية، والأخطر، هي سياسة واشنطن الإعمارية عبر إدخال شركاتها في عملية الإعمار، لبناء الحجر والبشر على حد سواء. بناء الحجر في العمق الأوروبي تم وفق هندسيات تتناسب مع الفكر الأميركي، متجاهلة التراث الأوروبي، مما أدى إلى ظهور نماذج متطابقة مع الولايات المتحدة تحت مسمى "أمركة العمارة الأوروبية"، بهدف تأمرك القيم لاحقاً. هذا الواقع جعل الغرب الأوروبي خاضعاً للعباءة الأميركية، ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً وثقافياً.
إن حال أوروبا بعد الحرب الثانية يشبه واقع جنوب لبنان اليوم الذي يعيش كارثة ما بعد الحرب. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن الغموض مطلق، فالحرب ستضع أوزارها لاحقاً، وعودة الأهالي والدولة إلى المناطق المحتلة مسألة وقت. لهذا، جاء اجتماع طهران في 26 أكتوبر ليطرح معادلات تهدف إلى التسوية، بما في ذلك تهدئة الجبهة اليمنية بين حركة الحوثيين والرياض، مقابل تولي المملكة ومجموعة دول أخرى ملف إعادة الإعمار في لبنان.
قد يتناسب هذا الطرح مع رؤية طهران للمنطقة أو لأمنها القومي، حيث أن موافقة المملكة على التحرك في لبنان مقابل التهدئة مع الحوثي، يبعد، من وجهة نظر طهران، المشروع التركي ذي البعد التوسعي في المنطقة، خاصة وأن لبنان يمثل أولوية لسياسات أنقرة، وهو ما حملته زيارة الرئيسين جوزيف عون وسلام إلى تركيا.
في ظل التوتر العالمي المتصاعد، وخاصة الحديث عن حرب محتملة بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، يخسر لبنان ورقة دعم مهمة على الصعيدين الدبلوماسي والإعماري. ومع استمرار اعتداءات حركة الحوثي على أهداف استراتيجية في الرياض، وتعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر، وارتفاع منسوب الحرب المحتملة بين إيران وواشنطن، تتزايد تعقيدات المشهدية، خاصة مع تسريبات عن إعلام واشنطن حلفاءها العرب بتنفيذ ضربات مكثفة على النظام في إيران.
من المبكر الحديث عن "خطة مارشال" في ظل الغموض السائد، لكن لا يمكن إغفال أن جنوب لبنان منكوب ويحتاج إلى استقرار حقيقي، خاصة مع الخوف من فراغ حتمي بانتهاء مهام القوات الدولية في 31 ديسمبر المقبل دون بديل. هذا يطرح تساؤلاً حول مصير الجنوب، الذي قد لا تنفعه أي خطة جديدة إذا استمر الوجود الإسرائيلي لسنوات، مع تمسك حزب الله بسلاحه وربط الجنوب بجبهة إيران.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة