لبنان في مهب الريح: تداعيات الانتخابات الأميركية والإسرائيلية على جبهة الجنوب


هذا الخبر بعنوان "لبنان بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية: التصعيد يسابق جهود النأي عن المواجهة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يزال لبنان يفتقر إلى أي ضمانات مؤكدة بأن أي تفاهم أميركي-إيراني سيؤدي حتماً إلى استقرار جبهته الداخلية، أو أن استمرار الهدوء سيمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها العسكرية. بعد انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية، وقبلها الانتخابات الإسرائيلية، تبددت حالة الترقب في لبنان، وبدأ المراقبون يرصدون انعكاس نتائج هذه الانتخابات على الداخل اللبناني، وما إذا كانت احتمالات التصعيد ستتزايد أم ستتراجع.
لا يمكن فهم المشهد السياسي والأمني في لبنان بمعزل عن التحولات في المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، خاصة بعد الانتخابات الأخيرة وما فرضته من ضغوط جديدة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فلبنان، الذي لم يخرج فعلياً من دائرة المواجهة رغم التفاهمات والاتصالات، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: هل تدفع المتغيرات الأميركية والإسرائيلية نحو احتواء الحرب الإقليمية، أم تجعل التصعيد العسكري وسيلة لتعويض الخسائر السياسية وفرض وقائع جديدة؟
لا توجد مؤشرات واضحة تقود إلى استنتاج حاسم، بل تكشف عن مسارين متعارضين: عوامل تدفع نحو التفاوض، وأخرى تبقي احتمال التصعيد قائماً، بما في ذلك انتقال المواجهة مجدداً إلى لبنان. فالتحول في موازين القوى داخل الكونغرس الأميركي سيشكل أحد أبرز المتغيرات الجديدة، ما يضع ترامب أمام أحد خيارين: إما القبول بالنتيجة والعمل على إنضاج التفاوض مع طهران، وإما المغامرة بتصعيد عسكري لتحقيق انتصار، بعدما استنزفت الحرب كل رصيده السياسي. والمفارقة أن الضغوط الداخلية قد تدفع في الاتجاهين. ولا تختلف الصورة في تل أبيب، حيث لا تنفصل الحسابات عن التطورات الأميركية. لا يعني ذلك أن الطرفين سيقرران توسيع المواجهة، لكن تزامن الضغوط السياسية قد يجعل الخيار العسكري حاضراً في حساباتهما، خصوصاً إذا تعثرت المفاوضات مع طهران أو ظهرت مؤشرات إلى أن إيران خرجت من الحرب محتفظة بقدرتها على التأثير الإقليمي.
وهذا يقود إلى لبنان، حيث تكمن الخطورة في أن إسرائيل ترى في الجبهة الجنوبية مجالاً لممارسة مزيد من الضغط على إيران وحزب الله، ولاستكمال أهدافها العسكرية، ما دام انتشار الجيش ونزع سلاح الحزب والانسحاب الإسرائيلي موضع تشكيك في قدرة الدولة على التنفيذ. علماً أن المفاوضات لا تزال تدور في المربع الأول: إسرائيل تربط انسحابها بتحقيق تقدم ملموس في نزع السلاح، فيما يربط حزب الله مناقشة سلاحه بانسحاب إسرائيل ووقف انتهاكاتها. وهذا التعارض يجعل التفاهمات القائمة عرضة للاهتزاز عند كل تطور ميداني.
وعليه، لا يمكن التقليل من احتمالات التصعيد في لبنان، في ظل إدارة طهران قرار حزب الله في الحرب والسلم. وأعاد حزب الله التأكيد على هذا الالتزام بإعلانه عن إعادة بناء بعض قدراته العسكرية، ولا سيما في مجال المسيّرات والمتفجرات، وعن تلقيه تمويلاً إيرانياً إضافياً. كما أن الكشف عن المتفجرات عزز الانطباع الداخلي بأن حزب الله يعدّ العدة لاستعادة جهوزيته، سواء على المستوى الداخلي أو في مواجهة إسرائيل.
من هنا، فإن أي انهيار جديد للمسار الأميركي-الإيراني سيعيد وضع لبنان في قلب المواجهة، سواء عبر قرار إيراني بتفعيل أوراق الضغط الإقليمية، أو عبر قرار إسرائيلي بتوسيع العمليات لمنع حزب الله من استعادة قدراته. ولعل هذا المشهد المقلق، معطوفاً على المعلومات عن انخراط حزب الله إلى جانب الحوثيين في اليمن، هو ما دفع رئيس الحكومة نواف سلام إلى الإعلان من قصر بعبدا رفضه زج لبنان في مغامرات تخدم مصالح خارجية، في رسالة إلى حزب الله من دون أن يسميه. وأهمية الكلام أنه صدر بعد لقائه رئيس الجمهورية، ما يعني أنه يعكس توافقاً بينهما على هذا الموقف، الذي يسعى إلى توجيه رسالة إلى الخارج ترمي إلى تحييد البلد عن الصراع المتأجج، بعد خسارة ترامب ونتنياهو وشعور طهران وحزب الله بالانتصار.
أحد مصادر القلق الأخرى يتمثل في مستقبل اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها، وعدم الاتفاق على البديل منها. وهذا يعني أن لبنان مقبل على مرحلة حساسة، لا تتعلق فقط بمصير وقف إطلاق النار، بل أيضاً بآليات ضبط الحدود وتطبيق القرار 1701 بعد انتهاء مهمة القوة الدولية.
وهكذا، يكون لبنان أمام احتمالين: فإما أن تدفع الضغوط الأميركية والإسرائيلية نحو تسوية مع إيران تنعكس تهدئة، بما يتيح معالجة الملفات العالقة، من الانسحاب الإسرائيلي إلى انتشار الجيش وترتيبات الأمن الحدودي؛ وإما أن يؤدي تعثر التسوية إلى تصعيد جديد، تستخدم فيه إسرائيل الضغط العسكري في لبنان ضمن مواجهة أوسع مع إيران، أو تستأنف فيه العمليات الواسعة إذا اعتبرت أن حزب الله يستعيد قدراته ويشكل تهديداً متجدداً. وفي الحالتين، لا يملك لبنان أي ضمانة حتى الآن بأن أي تفاهم أميركي-إيراني سيؤدي تلقائياً إلى استقرار جبهته، أو أن استمرار التهدئة سيمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها.
سياسة
سياسة
سياسة
ثقافة