لبنان
منوعات

من زوطر الغربية إلى ميفدون: راعٍ يروي فظائع الحرب وأكل الكلاب لجثث الشهداء

المدن٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٠:٣٣ م0 مشاهدة
من زوطر الغربية إلى ميفدون: راعٍ يروي فظائع الحرب وأكل الكلاب لجثث الشهداء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "قاسم تركية ابن زوطر الغربية: رأيت الكلاب تأكل جثث الشهداء" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تجف دموع قاسم تركية بعد، وهو يستعيد ذكريات الحرب الأليمة في ميفدون، حيث شهد بأم عينيه الكلاب وهي تنهش جثث الشهداء. قاسم، الذي صمد في بلدته زوطر الغربية حتى أجبرته الغارات على النزوح مع قطيعه إلى الدوير ثم الزهراني، خسر الكثير من ماشيته لكنه لم يفقد الأمل، مرددًا: "الله كان معي".

على أنقاض منزله المدمر في زوطر الغربية، يحاول تركية، وهو في السبعينيات من عمره، إعادة بناء حظيرة لماشيته تمهيدًا للعودة إلى بلدته. لم يكن قاسم راعيًا فحسب، بل أمضى حياته بين براري زوطر والقرى، يبحث عن سبل العيش لأغنامه. كما امتهن النجارة، مستخدمًا صوف الأغنام لصناعة الوسائد واللحف. هذه الحرفة العريقة، التي خسرها هذا العام إلى جانب منزله وذكرياته وماشيته، لا تزال تمنحه القوة، فهو يقول: "مكمّلين برعي الغنم في الحقول، فهي دوائي من داء الحرب وآثارها".

شهرين من الحصار والجوع والغارات المتواصلة تركت آثارًا عميقة في نفس قاسم. "مشهد أكل الكلاب جثث الشهداء كان قاسيًا جدًا. كنت أشاهدها ولا أستطيع التحرك، والغارات العنيفة على ميفدون كانت تمنعنا من الحركة". لأكثر من شهرين، صمد قاسم في ميفدون مع ماشيته، محاصرًا بالغارات. "كنا نشرب الحليب ونأكل خبزًا معفّنًا، فالطعام انقطع بسبب خطورة التنقل. كنت أنام بين الغنمات، أختبئ بظلهم، كانوا أنيسي وحدتي وشدتي في الأيام الصعبة".

خلال أيام الحرب، نزح تركية من زوطر الغربية إلى ميفدون مع اشتداد المعارك، وسكن في إحدى المزارع. كان الاقتراب من محيطها خطرًا، فقد شهدت ميفدون خلال جولة الحرب الأخيرة غارات واستهدافات ومسيّرات لاحقت كل من يتحرك. "كنت أنتظر قدوم أحد لجلب الطعام، ولكن في أيام الشدة لم أجد سوى الحليب وبعض الخبز المعفّن لتناوله".

هذه اللحظات تركت ندوبًا عميقة في ذاكرة قاسم ونفسه، وهو يحاول التعافي منها. "منذ انتهت الحرب، لم يسأل أحد عني أو عن حالي. بقيت أسرح مع الغنمات في براري ميفدون وقاعقعية الجسر، وأقترب من الأماكن التي شاهدت فيها الوجع كله. أبكي كثيرًا، فما عشته لا يُصدّق، ولا يمكن لأحد تحمله. أن تقف عاجزًا عن مساعدة إنسان بسبب المسيّرات، وأن ترى شهيدًا أو حتى جريحًا على الأرض وتعجز عن مداواته، كان أمرًا صعبًا. والأصعب حين رأيت الكلاب تنهش الجثث وتنكّل بها. هذا كان لا يُحتمل".

صور قاسية تختزنها ذاكرة تركية، الذي يحتاج إلى دعم نفسي لاستعادة عافيته، لكنه لم يحصل عليه. غارات لا تتوقف، اهتزاز للأرض، وقصف مدفعي وفسفوري. "أحتمي بقطيعي وأنام بينهم، علّني أشعر بالأمان ولو لبعض الوقت". هكذا يصف قاسم ليالي الحرب في ميفدون، التي نزح إليها بعد رحيله مع قطيعه من زوطر الغربية.

قطيع خسره وحياة يحاول ترميمها بين أكوام الحجارة في منزله المدمّر بزوطر الغربية. يبحث قاسم عن بصيص أمل وسط الدمار، محاولًا بناء حظيرة لماشيته، فبدونها تصبح العودة مستحيلة. "لم أتخلَّ عن القطيع في الحرب، واجهت كل الشدائد، وخسرت كثيرًا منه، وما بقي أحاول أن أعيش من خلاله". يرتجف صوته من شدة الصدمة، فما عاشه كان قاسيًا. عيناه المتعبتان ترويان قصصًا لم تُروَ، تختزن الكثير من وجع الحرب وندوبها. تبرز هذه الندوب حين يبحث عن بعض الأغراض بين ركام المنزل، ويتوقف عند وسادات الصوف المحترقة. "هذه من عملي، كنت أقصّ شعر الغنم وأنجّد فيه الأغطية. كانت هذه حرفتي التي أجددها في الشتاء سنويًا. هذا العام لن أفعل. الحرب سرقت هذه الحرفة التي توارثتها أبًا عن جدّ، فهي جزء من ذاكرتي وهوية بلدتي زوطر".

لأكثر من شهرين، واجه قاسم الموت والخطر والجوع، متمسكًا بقطيعه الذي يشكل مصدر رزقه. "لم أغادر لأن قطيعي مصدر رزقي، والرزق يعادل الروح. كيف أعيش إذا تركته؟ لديّ أكثر من ألف غنمة، مات كثير منها، وخسرت تقريبًا كل الولادات الجديدة. أخذت معي، حين تركت ميفدون، من كان يملك قدرة المشي، والباقي توفي إما بالقصف أو الغارات أو الجوع. واليوم أرمم هذا المشهد، لكنه يسكنني ويعيش في ذاكرتي. حين أغمض عيني، لا أرى سوى قصف وشهداء وكلاب تنهش الأجساد. مشهد لم أتعافَ منه، وأحتاج إلى سنين ربما. نعم، أعيش وأواصل العمل والرعي، لأن الحياة لا تنتظر أحدًا، ومن دون العمل لا يمكن أن نعيش. نعتمد على الغنم والماعز والحليب. الظروف تشتد قسوة، والنزوح أقسى مما يتخيله أحد، ولكنني لن أنكسر أو أطوي ظهري للعدو".

من حرفة تنجيد الصوف إلى مواجهة أعباء النزوح، يروي ابن زوطر قصة راعٍ هزمه الحرب نفسيًا لكنها لم تكسره. عاد إلى زوطر ليلملم آثار الدمار، ويبني حظيرة لماشيته، ويزرع أرضه، مستغلًا ما تبقى من أيام الحياة، فالحرب قد تقرع أبواب أهالي زوطر، كما الجنوب، في أي لحظة. لكن قاسم يتمسك اليوم بالأمل ومواصلة الحياة: "سأزرع موسم الشتاء، سأعود للرعي في حقول زوطر التي اشتقتها".

يواجه قاسم، ككثيرين ممن عاشوا الحرب، ضغوطًا نفسية تُركوا لمواجهتها وحدهم. لم يطرق أحد بابهم أو يسأل عن أحوالهم. "أداوي نفسي بنفسي"، عبارة تختصر الواقع. ويضيف: "أريد أن أستعيد حياتي، أحاول البدء، وأتعالى على مشاعري التي تقبض قلبي في مرات كثيرة، وكأنها تلاحقني كي لا أنسى، أو ربما لأروي للعالم ما عاشه الجنوب. ما شاهدته لم توثّقه العدسات، وثقّته ذاكرتي". يمضي قاسم وقته بين منزله وحقله، يقطف ما تبقى من موسم البطاطا الذي زرعه قبل الحرب. بعض الحبات ما زالت صامدة، وبعضها تلف. ينزل مجرفته في التربة، كمن يفرغ كل وجعه، ويمسح عرق جبينه كمن يمسح ندوب الحرب ولو لثوانٍ. "أبني حظيرتي لأعود إلى زوطر التي أستعيد روحي فيها، سأضع بيتًا جاهزًا لي لأزرع الأرض وأعتني بقطيعي، وأداوي حالي بحالي".

يبني قاسم بيتًا من الإصرار، ويحاول أن يبقى صامدًا. "أريد أن أكمل الوقوف. لا يطعمني الخبز اليوم أن أكون موجوعًا، وجعي لا يداويه أحد، ولكن لا أصغي له. لديّ عائلة يجب أن أوفّر لها متطلباتها". يملك قاسم عائلة يريد تأمين متطلباتها. النزوح قاسٍ ومصاريفه أكبر من قدراته، لكنه يثابر على العمل، فالحياة لا تنتظر أحدًا، والتقدم بسرعة، والتوقف لمواجهة الوجع يعني الخسارة. "عائلتي بحاجة إليّ، سأكمل".

لم تكشف الحرب الكثير من أسرار أيام الحصار الناري في منطقة النبطية. كان ممنوع الوصول إلى ميفدون خلال الحرب، وكان من يتحرك معرضًا للقتل. وما كشفه قاسم، وما زال يكشفه، يبين حجم المأساة التي خلفتها الحرب. خرج قاسم مع قطيعه، وسرح في البراري والحقول، مستعيدًا بذاكرته بعضًا من فصول تلك الأيام. لكنه يقف اليوم بين نارين: نار الحرب التي كوته، ونار العودة المحفوفة بالخطر كل يوم. وبينهما، يتمسك قاسم بالأمل في أن يتعافى مما عاشه.

شارك الخبر: