لبنان
اقتصاد

نحو حياد اقتصادي: درع لبنان الواقي ضد صدمات المنطقة

النهار٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٠ م0 مشاهدة
نحو حياد اقتصادي: درع لبنان الواقي ضد صدمات المنطقة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "نحو حياد اقتصادي يحمي اللبنانيين" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الفقر في لبنان مجرد نتيجة لانكماش اقتصادي أو تراجع ظرفي في المداخيل، بل أصبح مؤشراً على انهيار قدرة الدولة على حماية مجتمعها. فقد قدّر البنك الدولي أن نسبة الفقر بلغت 44% عام 2022 في خمس محافظات، بعدما كانت 12% عام 2012. هذا التحول الاجتماعي الخطير تمثل في تقلص الطبقة الوسطى، وتراجع قيمة العملة، وربط الحصول على الخدمات الأساسية بالدولار والتحويلات الخارجية بدلاً من حقوق المواطن. ورغم تسجيل الاقتصاد اللبناني نمواً حقيقياً بنسبة 3.5% عام 2025، مدفوعاً بتحسن نسبي في الاستقرار وانتعاش السياحة وبعض التقدم الإصلاحي، إلا أن هذا النمو لا يرقى لمستوى التعافي. فهو لم يساهم في بناء قطاع مصرفي قادر على تمويل الاستثمار، أو توفير فرص عمل مستقرة، أو إعادة بناء الخدمات العامة. إنه نمو هش، يتأثر بسهولة بالمواسم السياحية أو التوترات الأمنية.

المشكلة الأساسية تكمن في استمرار السلطة الاقتصادية بالتعامل مع لبنان كبلد يمر بأزمة مؤقتة، بينما هو يعيش في منطقة تتسم بالصدمات المتكررة. تتكرر الوصفة بعد كل أزمة: احتساب الخسائر، طلب المساعدات، دعم المتضررين، وانتظار الأزمة القادمة. وهكذا، تحولت إدارة الكوارث إلى بديل للسياسة الاقتصادية الفعالة. لا يمكن تحميل الجغرافيا السياسية وحدها مسؤولية هذا الفشل. فالحرب قد تفسر تراجع السياحة وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، لكنها لا تفسر التأخر المزمن في إعادة هيكلة المصارف، أو غياب الموازنة الاجتماعية، أو ترك المؤسسات الصغيرة دون تمويل. وقد أكد صندوق النقد الدولي أن معالجة أوضاع المصارف شرط أساسي لإعادة الائتمان للقطاع الخاص، وحماية المودعين، والخروج من الاقتصاد النقدي الذي يضعف الرقابة ويزيد التفاوت.

لكن إعادة هيكلة المصارف، رغم ضرورتها، تعالج أزمة الماضي ولا تكفي لحماية لبنان من صدمات المستقبل. لذا، يحتاج البلد إلى طرح يتجاوز الإصلاحات التقليدية، يتمثل في إقرار مبدأ الحياد الاقتصادي وتأسيس بروتوكول وطني لاستمرارية الاقتصاد. الحياد الاقتصادي لا يعني موقفاً سياسياً محايداً من صراعات المنطقة، بل يعني تحييد حياة اللبنانيين عنها. يبدأ ذلك بتصنيف المرفأ والمطار والاتصالات والطاقة والتحويلات المالية وسلاسل الغذاء والدواء كبنية سيادية محمية، لا يجوز تعطيلها أو استخدامها كورقة ضغط. يجب أن يتحول هذا المبدأ إلى قانون يلزم كل مرفق حيوي بإعداد خطة تشغيل بديلة، تتضمن مسارات استيراد احتياطية، وقدرات طوارئ لتخزين السلع الأساسية، وأنظمة دفع إلكتروني مستمرة، ومراكز بيانات واتصالات بديلة، وآليات لدعم استمرارية المؤسسات الصغيرة.

كما يجب إنشاء غرفة دائمة لاستمرارية الاقتصاد تضم مصرف لبنان والوزارات المختصة والقطاع الخاص، بهدف اختبار الجاهزية ونشر مؤشرات واضحة عن المخزون والقدرات والمخاطر، مع خضوعها لرقابة برلمانية ومالية علنية. الفكرة بسيطة: لبنان لا يستطيع التحكم بكل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع منع انتقال كل صراع مباشرة إلى حياة مواطنيه. فالدولة التي تكتفي بتعويض الناس بعد سقوطهم لا تمارس حماية اجتماعية، بل تدير الفقر. لبنان يحتاج إلى اقتصاد يستطيع الاستمرار خلال الأزمات، وليس فقط التعافي بينها. السيادة الاقتصادية لا تقاس فقط بمن يسيطر على الحدود، بل بمن يضمن بقاء المرفأ مفتوحاً، والدواء متوفراً، والتحويلات قائمة، والناس في أعمالهم عندما تغلق السياسة سائر الأبواب.

شارك الخبر: