لبنان
سياسة

روما تفتح أبوابها لدعم آلية التحقق في الجنوب اللبناني.. وإسرائيل تضع العصي في العجلات

المدن٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٤٠ م0 مشاهدة
روما تفتح أبوابها لدعم آلية التحقق في الجنوب اللبناني.. وإسرائيل تضع العصي في العجلات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عون وهيكل في روما: إيطاليا لفك عقدة التحقق وإسرائيل تعطل" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يزال لبنان يواجه صعوبة في إحراز تقدم في ملف الترتيبات الأمنية في الجنوب، وتحديداً فيما يتعلق بآلية التحقق، على الرغم من الجهود التي يبذلها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لحشد الدعم الدولي اللازم لتنفيذ الاتفاق. وقد كشفت مباحثاته في روما مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن استعداد إيطالي للمشاركة في آلية التحقق من المناطق التجريبية، إلى جانب دول أخرى. ومع ذلك، يظل هذا الاستعداد مرهوناً بموقف إسرائيلي واضح لم يصدر بعد، مما يجعل من المبكر اعتبار هذا الاستعداد نتيجة قابلة للتطبيق السريع على أرض الواقع. إن الدور الإيطالي، رغم تقدمه على الخيارات الأخرى، يعتمد على موافقة إسرائيل وحسم تفاصيل سياسية وعسكرية وتقنية لم تنضج بعد.

تشير المعطيات إلى أن الموافقة الإسرائيلية على مشاركة إيطاليا تبدو مرجحة، وأن روما هي الطرف الأقرب لنيل قبول الأطراف المعنية، لكن إسرائيل لا تزال تتردد في تقديم إجابات نهائية، وهذا هو جوهر المشكلة. فإسرائيل لم تعلن حتى الآن رفضها للدور الإيطالي، لكنها لم تمنحه أيضاً موافقة نهائية تسمح بالانتقال إلى مرحلة التنفيذ. ويبدو واضحاً أنها ليست متعجلة في تسهيل أي إجراء أو اتخاذ خطوات عملية تدفع الاتفاق إلى الأمام، وفقاً لما نقلته أوساط مطلعة على أجواء الزيارة لـ"المدن". وأكدت المصادر أن زيارة الرئيس عون أسفرت عن إيجابية تمثلت باستعداد إيطالي جدي، لكنها لم تسفر عن اتفاق تنفيذي أو جدول زمني. وبين الرغبة الإيطالية والموقف اللبناني، تبقى الكلمة الإسرائيلية مؤجلة، ويُستخدم غياب الأجوبة لإبقاء آلية التحقق والمناطق التجريبية، والمسار التفاوضي برمته، في حالة انتظار أو تعليق حتى إشعار آخر.

إيطاليا الأقرب ولكن ضمن مجموعة دول

كشفت مصادر سياسية وعسكرية لـ"المدن" أن إيطاليا تُعدّ الدولة الأقرب للمشاركة في آلية التحقق، بنسبة ترجيح تصل إلى تسعين في المئة. لكن روما لا ترغب في تنفيذ المهمة بمفردها، بل ضمن مجموعة دول لم تُحسم هويتها أو حجم مشاركتها أو طبيعة الأدوار الموكلة إليها بعد. ومع ذلك، فإن الحضور الإيطالي الطويل في الجنوب، ومشاركة روما في اليونيفيل، وعلاقاتها مع لبنان وإسرائيل، فضلاً عن استضافتها المفاوضات، تمنح دورها المقترح قابلية أكبر للحصول على الضوء الأخضر الإسرائيلي والأميركي. ولكن كل هذا لا يكفي للانتقال إلى التطبيق، ما دامت إسرائيل تتعامل مع كل خطوة كورقة تفاوضية، ولا تبدو مستعجلة على إغلاق أي من النقاط العالقة. أما صيغة مجموعة التنسيق «MCG4L»، فلا تزال من بين الأفكار المطروحة، دون أن تكون نهائية أو محسومة، ما لم تُحدد الدول المشاركة في المجموعة، وحجم القوة التي ستتولى المهمة وعديدها وعتادها.

ثوابت الجيش على الأرض

في موازاة البحث في هوية الدول، علمت "المدن" أن الجيش اللبناني حدد ثوابته المتعلقة بآلية التحقق، وأبلغها للجهات المعنية على كافة المستويات. فالجيش لا يعارض الاستعانة بجهة دولية متفق عليها تتمتع باستقلالية تقنية، ويمكن أن تحضر كقوة متكاملة بعديدها وعتادها، لكنه يشترط أن تدخل إلى المناطق اللبنانية وتتحرك فيها برفقته وتحت مظلته السيادية. بمعنى آخر، يمكن للجهة المكلفة أن تنجز عملها الفني باستقلالية، لكن لا يمكنها التحرك ميدانياً بمعزل عن الجيش أو من خلفه. وهذا شرط لا رجوع عنه بالنسبة لقيادة المؤسسة العسكرية، ويحظى بدعم كامل من رئيس الجمهورية والسلطة السياسية. ويرفض الجيش أن تتحول آلية التحقق إلى سلطة رقابية موازية، أو إلى أداة دائمة للتشكيك في تقاريره وإنجازاته. ويستند موقفه إلى تجربة زوطر الغربية، حيث أثار التشكيك الإسرائيلي في تنفيذ الجيش مهمته اعتراضاً لبنانياً، وعزز الاعتقاد بأن الاعتراض المتكرر لا يرتبط دائماً بوقائع ميدانية، بل قد يشكل وسيلة لتعطيل الاتفاق ومنع الانتقال إلى مناطق جديدة. وفي قراءة المؤسسة العسكرية، لا يمكن القبول بأن ينفذ الجيش المطلوب منه، ثم تبقى النتائج خاضعة لتقييم إسرائيلي مفتوح، يسمح لإسرائيل برفضها أو طلب إعادة التحقق منها كلما أرادت تأخير المسار. وقد جرى بحث هذه الثوابت مع الجانب الأميركي، وهي تشكل قاعدة الموقف اللبناني في أي تفاهم مقبل: قبول جهة تحقق دولية مستقلة من الناحية الفنية، مقابل تمسك كامل بوجود الجيش ومرافقته لها في جميع تحركاتها داخل الأراضي اللبنانية.

هيكل في روما

ضمن هذا السياق، تأتي زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما، التي يصلها الأحد، على أن تبدأ لقاءاته الرسمية الإثنين ويعود إلى بيروت الأربعاء. وقالت مصادر عسكرية لـ"المدن" إن الزيارة، وإن كانت محددة مسبقاً، تأتي استكمالاً لمباحثات الرئيس عون في روما، من خلال الانتقال من الإطار السياسي العام إلى التفاصيل العسكرية والتقنية. فقد ثبتت الزيارة الرئاسية الاستعداد الإيطالي، وفتحت النقاش في الدور الممكن لروما، فيما ستبحث اجتماعات قائد الجيش الشروط الميدانية وآليات التنفيذ والحاجات العسكرية. ومن المقرر أن يلتقي العماد هيكل نظيره الإيطالي ومسؤولين عسكريين، للبحث أيضاً في المساعدات المقدمة إلى الجيش، ومجالات التعاون والتدريب والتجهيز، ضمن برامج تعاون قديمة جديدة بين الطرفين. وأكدت المصادر العسكرية أن ملف التحقق سيكون حاضراً بطبيعة الحال، ولا سيما لجهة تصور الجيش لطريقة عمل المجموعة الدولية، والعديد والعتاد المطلوبين، وآليات التنسيق والمواكبة، والحدود الفاصلة بين الاستقلالية التقنية للجهة المحققة وبين السيادة الميدانية للمؤسسة العسكرية. كما تتيح الزيارة البحث في قدرة إيطاليا على المساهمة في هذه المهمة، والدول التي يمكن أن تشارك إلى جانبها، دون أن يعني ذلك حسم تركيبة فريق التحقق أو قيادته.

بند إضافي على جدول المباحثات: مستقبل اليونيفيل

بحسب ما أوضحت المصادر العسكرية، فإن بنداً إضافياً على جدول المباحثات هو مستقبل اليونيفيل، انطلاقاً من المشاركة الإيطالية في القوة الدولية، وإمكان أن تكون إيطاليا من ضمن الدول المشاركة في أي قوة بديلة. إلا أن هذا الملف يبقى منفصلاً عن آلية التحقق، ويحتاج إلى بحث سياسي وقانوني دولي يتجاوز الاجتماعات العسكرية.

التحقق وما بعد اليونيفيل: مساران منفصلان

تشدد المصادر على أن البحث اللبناني يميز بين مسار التحقق والجهة التي ستتولى التحقق من المناطق التجريبية، وبين مسار ما بعد اليونيفيل ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة القوات الدولية، حتى إذا كانت إيطاليا مطروحة للمشاركة في كليهما. في مباحثات عون-ميلوني، وفيما خص المسار الأول، فقد أبدت الأخيرة استعداد بلادها للمشاركة ضمن مجموعة دولية، لكن يبقى البحث مفتوحاً في هوية الدول الأخرى، وطبيعة المهمة، وصلاحيات المحققين، وآلية التنسيق مع الجيش اللبناني. أما فيما خص المسار الثاني، فعلم أن إيطاليا قد تكون أيضاً واحدة من الدول الأساسية المشاركة، إلى جانب دول أوروبية أو دول أخرى. لكن لا اتفاق حتى الآن على هوية القوة الجديدة أو قيادتها أو تركيبها. كذلك، لم تُعرف المظلة القانونية والسياسية التي ستعمل تحتها. فهل تُنشر بموجب قرار جديد يصدر عن مجلس الأمن؟ أم ضمن صيغة معدلة للقرار 1701؟ أم تكون قوة أوروبية تستند إلى قرار أوروبي واتفاق مع الدولة اللبنانية؟ وتتجاوز أهمية هذه الأسئلة مسألة الشكل القانوني، لأنها تحدد عملياً صلاحيات القوة وقواعد تحركها وعلاقتها بالجيش اللبناني، والجهة التي ترفع إليها تقاريرها، ودورها في التعامل مع الخروقات والاعتراضات الإسرائيلية. كما أن البحث في البديل عن اليونيفيل لا يزال مبكراً، في ظل تمسك لبنان، حتى الآن، ببقاء القوة الدولية. وأي انتقال إلى صيغة أخرى يحتاج إلى تفاهم دولي واسع، وتحديد واضح للمهمات المطلوبة قبل البحث في أسماء الدول المشاركة. وعليه، يحرص الجانب اللبناني على عدم الخلط بين احتمال مشاركة إيطاليا في التحقق وبين مشاركتها في القوة البديلة لليونيفيل. فهما مهمتان منفصلتان من حيث الوظيفة والمرجعية والصلاحيات، حتى إذا التقت بعض الدول في المسارين.

بموازاة كل هذه التعقيدات، لا موعد محدداً بعد لجولة جديدة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية التي تستضيفها روما، وهو ما يعكس استمرار حالة المراوحة. فالعقدة لم تعد في غياب دولة مستعدة لتولي مهمة التحقق لإعادة إطلاق عجلة المناطق التجريبية، بل في حسابات إسرائيل والتوقيت الذي تريد فرضه لأي تقدم محتمل في الملف اللبناني، والذي يبدو واضحاً أن بنيامين نتنياهو يحركه على إيقاع الانتخابات التي يخوضها. لذا، لا يمكن قياس نتائج زيارة روما بما أُعلن من استعدادات، بل بترجمة هذه الاستعدادات والنوايا إلى وقائع وإجراءات وآلية قابلة للتطبيق. حتى ذلك الحين، تستمر كل الملفات، من المناطق التجريبية إلى مستقبل اليونيفيل ووقف الاعتداءات، معلقة بين توافقات أولية وقرارات لم تنضج بعد.

شارك الخبر: