لبنان
سياسة

من صفعة المخفر إلى المشنقة: رحلة في عالم السلطة والعقاب والعنف

المدن٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٤ م0 مشاهدة
من صفعة المخفر إلى المشنقة: رحلة في عالم السلطة والعقاب والعنف

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من صفعة المخفر إلى حبل المشنقة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل ترحيب بقرار لبنان إلغاء عقوبة الإعدام، كان من الطبيعي الكتابة عن ضرورة التخلص من هذه العقوبة في مجتمع يسعى لتحقيق العدالة بشروط إنسانية، بعيداً عن منطق الانتقام والغرائز البدائية. لكن أخبار الاعتقالات التعسفية والموت تحت التعذيب التي تتواتر من سوريا، أعادت إلى الذهن واقعتين مؤثرتين تكشفان العلاقة المعقدة بين السلطة والعقاب، والعدالة والعنف.

في حلب، تعرض المعهد الفرنسي للأبحاث الذي كنت أديره لاعتداء محدود ظاهرياً، لكنه كشف عن طبيعة الدولة الأمنية. قام شبان برشق نوافذ المعهد بالحجارة وتحطيم بعض زجاجها احتجاجاً على مشهد دخول زوجين أجنبيين متشابكي الأذرع، ما اعتبروه خروجاً على الأعراف. لم يكن الاعتداء مقبولاً، فتوجهت إلى مخفر الشرطة المجاور لتقديم شكوى، معتبراً ذلك إجراءً طبيعياً لحماية الممتلكات.

فور تسجيل الشكوى، تحركت قوات حفظ النظام، وطُوِّق الحي بالكامل، وبدأت حملة واسعة لجمع الشبان والمراهقين والأطفال والرجال. تحولت القضية من حادثة تخريب محدودة إلى عملية أمنية واسعة النطاق. جُمِع الناس في ساحة الحي وتعرضوا للإهانات والضرب والاستجواب الجماعي. أدركت أن الأمور خرجت عن نطاقها، فطلبت من رئيس المخفر وقف الإجراءات، لكنه أجاب ببرود: "هذا لم يعد من شأنك، هذا شأن وطني أمني".

فهمت أن القضية انتقلت إلى دائرة الأمن الوطني، حيث يفقد صاحب الشكوى أي سلطة. اقتيد العشرات إلى المخفر، وجاء الأهالي متوسلين التدخل. طلبت من عميد الشرطة إطلاق سراح المعتقلين، مؤكداً إسقاط حقي الشخصي وحق المعهد. ابتسم الرجل وهو يتابع ضرب أحد الصبية وقال: "سأحصل على اعتراف قبل أن أفعل". وبعد ساعات من الضرب والإهانة، اعترف بعض الصبية. وحتى اليوم لا أعرف إن كانت اعترافاتهم صحيحة أم أنها جاءت لإنهاء التعذيب.

استمر الضرب والتعذيب بعد ظهور "الجناة". وعندما سألت عن السبب، أجاب الضابط: "يجب على الجميع أن يعرف أن دخول المخفر له ضريبة، وأقل ما يمكن دفعه هو تلقي صفعة أو صفعتين لإفراغ الهواء من الرأس". كانت تلك العبارة تلخيصاً لفلسفة السلطة: العنف غاية، والصفعة رسم عبور إلى عالم السلطة الأمنية حيث تُصادر الكرامة الإنسانية.

هذه الحادثة ساعدت على فهم سمات الأنظمة الاستبدادية. ففي الدول التي تحكمها القوانين، تكون الشرطة في خدمة المجتمع. أما في الأنظمة الأمنية، يتحول القانون إلى أداة بيد السلطة، وتصبح الحوادث الفردية ذرائع لإعادة إنتاج الخوف وإظهار القوة. انتهى بي الأمر مدافعاً عن المتهمين بالاعتداء، وانقلبت الأدوار. أصبح الخوف من الشرطة أكبر من الخوف من الجريمة.

الواقعة الثانية جرت أثناء تدريب ضباط شرطة سوريين منشقين في تركيا على القوانين الناظمة لعمل قوى الأمن. تطرقت إلى مسألة التعذيب وضرورة منعه. لم أتوقع هذا القدر من الاعتراض. تحولت القاعة إلى تمرد مصغر، وكان السؤال المتكرر: كيف يمكن الحصول على الاعترافات من دون تعذيب؟ كشف النقاش عن عمق الثقافة الأمنية التي زرعتها عقود الاستبداد، حيث كان التعذيب وسيلة عمل بديهية للكثيرين.

أتذكر الواقعتين اليوم وأنا أتابع ما يجري في سوريا من انتهاكات واعتقالات وموت تحت التعذيب. إذا كان مجرد الحديث عن منع التعذيب قد أثار كل هذا الغضب، فكيف سيكون الحال عند مناقشة إلغاء عقوبة الإعدام؟ عقوبة الإعدام والتعذيب ينتميان إلى المنظومة الفكرية ذاتها، كلاهما يقوم على فكرة سيطرة الدولة المطلقة على الجسد البشري، وأن العنف هو الطريق الأقصر إلى العدالة. كلاهما يزدهر في البيئات التي تضع الأمن فوق القانون، والانتقام فوق العدالة، والقوة فوق الكرامة الإنسانية.

الطريق إلى العدالة لا يمر عبر المشانق ولا غرف التعذيب، بل عبر بناء مؤسسات تحترم الإنسان. العدالة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إنزال أقصى العقوبات، بل بقدرتها على حماية الحقوق ومنع التعسف وصون الكرامة الإنسانية. ما لم نتجاوز ثقافة الاعتراف المنتزع بالقوة والعقوبة بوصفها انتقاماً، سنبقى ندور في الحلقة نفسها.

شارك الخبر: