رحيل الفنان التشكيلي الفلسطيني العالمي سليمان منصور عن 79 عاماً.. أيقونة


هذا الخبر بعنوان "رحيل سليمان منصور... صاحب أيقونة "جمل المحامل"" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
توفي الفنان التشكيلي الفلسطيني العالمي سليمان منصور، صاحب اللوحة الشهيرة "جمل المحامل"، عن عمر يناهز 79 عاماً. ونعته وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان، واصفة إياه بأنه "أحد أهم أعمدة الفن التشكيلي الفلسطيني المعاصر"، وأن تجربته الفنية على مدى عقود شكلت جزءاً من الذاكرة البصرية والوطنية الفلسطينية. وأضافت الوزارة أن أعماله "شاهدة على التاريخ الفلسطيني وحارسة للهوية"، وأنها "تستحضر الأرض والقدس والتراث والثوب الفلسطيني والزيتون".
ارتبط اسم سليمان منصور بصورة فلسطين، وتجسدت هذه العلاقة في لوحته الشهيرة "جمل المحامل" التي تحولت إلى أيقونة فنية ووطنية، اختزلت في صورتها حكاية شعب يحمل وطنه وتاريخه وذاكرته. تميزت أعمال منصور الفنية بارتباطها القوي بالتراث الفلسطيني، واكتسبت شهرة عالمية. ووصفه فنانون فلسطينيون بأنه سيبقى في الذاكرة الفنية الفلسطينية رغم رحيله.
تُظهر النساء في لوحات منصور الثوب الفلسطيني المطرز بتصاميم مختلفة، تتراوح بين التطريز الكامل أو الاكتفاء بقليل منه عند الأطراف. ولد منصور عام 1947 في بيرزيت بفلسطين، وقضى جزءاً من طفولته وشبابه في مدرستين داخليتين في بيت لحم وبيت جالا. كان يخطط لدراسة الفن في الولايات المتحدة، لكن حرب حزيران 1967 غيرت مساره، فالتحق بأكاديمية بتسلئيل للفنون في القدس.
يُعد منصور أحد مؤسسي الحركة الفنية الفلسطينية المعاصرة، وترأس رابطة الفنانين الفلسطينيين في ثمانينيات القرن العشرين. خلال انتفاضة 1987، أسس مع زملائه الفنانين فيرا تاماري، وتيسير بركات، ونبيل العناني، مجموعة "نيو فيجينز" (New Visions). سعت المجموعة، التي اتخذت من الضفة الغربية والقدس مقراً لها، إلى تبني روح التجريب الإبداعي، مبتعدة عن الترميز السياسي السائد آنذاك. رفض فنانو "نيو فيجنز" استخدام المواد الفنية المستوردة عبر إسرائيل، ولجأوا إلى المواد المحلية الطبيعية مثل الشاي والقهوة والجلود وشظايا الفخار والحناء والطين.
وعن تجربته في استخدام المواد الفنية المختلفة، قال منصور: "خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993) قاطع الفلسطينيون البضائع الإسرائيلية كشكل من أشكال المقاومة. وقاطع الفنانون بدورهم المواد الفنية الإسرائيلية. وشكلت أنا و3 فنانين فلسطينيين -هم فيرا تماري ونبيل عناني وتيسير بركات- مجموعة أطلقنا عليها اسم ’رؤية جديدة‘. اتجه الفنانون نحو بيئتهم واستخدموا المواد مثل الخشب والجلد والطين والحناء والألوان الطبيعية. ساعد هذا النهج الجديد في تطوير الفن الفلسطيني، وشكل حلقة وصل بين الفن الفلسطيني الذي أنتج لعدة عقود بعد النكبة والفن المعاصر الذي ينتجه فنانون فلسطينيون شباب".
اعتمد منصور في فنه التشكيلي على الفنون القديمة، مثل الفن الكنعاني والفرعوني والأشوري، ليستلهم الرموز والخطوط التي تعكس حضارة المنطقة، وعلى الفن الإسلامي والعربي خصوصاً الحرف العربي والزخارف، ليربط بين التاريخ والهوية. كما استلهم التراث الفلسطيني من القرية -فكان لنشأته ببيرزيت أثر كبير في ذلك- والمشهد الطبيعي، والفلاحين، والبيوت، والملابس التقليدية، ليجعل اللوحة الفلسطينية متجذرة في الأرض والحياة اليومية.
لوحة "جمل المحامل"، أشهر لوحاته، لم تكن مجرد عمل تشكيلي، بل استطاع من خلالها الفنان أن يجعلها أيقونة تختصر حكاية شعب كامل، يحمل وطنه على كتفيه أينما ذهب. يصور فيها منصور مسناً فلسطينياً يحمل مدينة القدس على ظهره، بما فيها البيوت والمزارع والآثار، وكأنه جمل، مما يرمز إلى صبر الشعب الفلسطيني وتحمله أثقال النكبة والتهجير.
يقول الباحث خالد فرّاج إن "جمل المحامل" أيقونة فلسطينية. هذه اللوحة الزيتية المرسومة على قماش بقياس 110x 90، طُبعت آلاف المرات، وعُلقت في كثير من بيوت الفلسطينيين والعرب، الفقراء والأغنياء، في الضفة الغربية وقطاع غزة والجليل والمثلث، وفي مخيمات الشتات، نظراً إلى ما تمثله من رموز عاطفية وسياسية وتراثية، وبطبيعة الحال دينية. فقد جرى تعليقها كملصق إلى جانب صورة الزعيم جمال عبد الناصر. يضيف فرّاج أنه في الفترة بين سنة 1973 وسنة 2021، بقيت هذه اللوحة أيقونة من أيقونات الفن الفلسطيني والعربي والعالمي. ففي سنة 2021 وخلال معركة سيف القدس، جرى نشر نسخة إلكترونية معدلة من "جبل المحامل" على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيها مقاوم فلسطيني في غزة يحمل المدينة المقدسة على ظهره، بينما يجلس العجوز الحافي القدمين ليستريح، في إشارة إلى أن جيلاً جديداً يحمل الوطن على ظهره، وفي ذلك دلالة على استمرارية حضور هذه اللوحة في الوعيين العربي والفلسطيني.
من أعماله المعروفة أيضاً "عروس الوطن"، و"ابنة القدس"، و"صبرا وشاتيلا"، و"طقوس تحت الاحتلال"، و"ذاكرة الأمكنة"، وهي أعمال ارتبطت باستجاباته للواقع الفلسطيني تحت الاحتلال، إذ يحضر في أعماله الفلاحون والنساء بالثياب المطرزة، وأشجار الزيتون والبرتقال، والقرى، ورموز المفتاح والسجن والحواجز، ومختلف مفردات الحياة الفلسطينية.
ساهم سليمان منصور على نطاق واسع في تطوير البنية التحتية للفنون الجميلة في الضفة الغربية. ترأس رابطة الفنانين الفلسطينيين من عام 1986 إلى 1990. وفي 1994، شارك مع زملائه من "نيو فيجينز" في تأسيس مركز الواسطيّ للفنون في القدس الشرقية وتولى إدارته خلال عامي 1995 و1996. وهو عضو في مجلس إدارة الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين التي أُنشئت عام 2004 في رام الله. درّس الفن في العديد من الهيئات الثقافية والجامعات في كافة أنحاء الضفة الغربية بما فيها جامعة القدس.
كان منصور أيضاً رسام كاريكاتير محترفاً، ونشر رسومه من 1981 حتى 1993 في مجلة الفجر، وهي أسبوعية باللغة الإنجليزية كانت تصدر في القدس بين عامي 1972 و1993. نال منصور الجائزة الكبرى للنيل في بينالي القاهرة السابع، وجائزة فلسطين للفنون البصرية عام 1998، وجائزة اليونسكو–الشارقة للثقافة العربية عام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب عام 2025. وفي 2024 أنجز للمتحف الفلسطيني جداريته الدائمة "على جناح ملاك" من الطين والتبن والحناء.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة