مصر: بناء المستقبل وحماية الحاضر.. معادلة استراتيجية معقدة


هذا الخبر بعنوان "مصر: بناء للمستقبل وحماية من آثار الحاضر!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه مصر تحديًا استراتيجيًا معقدًا يتمثل في كيفية المضي قدمًا في بناء قدراتها ومواجهة بيئة إقليمية ودولية مضطربة، مع تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، وضمان ألا يصبح بناء المستقبل عبئًا على الحاضر أو يرهن قدرة الأجيال القادمة. هذه المعادلة ليست خيارًا بين المشروعات الكبرى واحتياجات المواطن، بل هي رؤية متكاملة؛ فالدولة التي لا تستثمر في بنيتها التحتية وقدرتها الإنتاجية والاستراتيجية تضعف قدرتها على حماية حاضرها ومستقبلها. وبالمثل، فإن الدولة التي تتجاهل الضغوط الاجتماعية تفقد شرطًا أساسيًا للتنمية المستدامة وهو الاستقرار والثقة العامة.
خلال السنوات الماضية، استثمرت مصر بكثافة في البنية التحتية، بما في ذلك الطرق والمحاور والموانئ والطاقة والمدن الجديدة والبنية الرقمية ومشروعات المياه والنقل. هذه الاستثمارات ليست مجرد إنفاق استهلاكي، بل عالجت اختناقات مزمنة، وعززت قدرة الدولة على الحركة والربط الداخلي والخارجي، ووفرت مقومات لجذب الاستثمار وتحسين القدرة التنافسية. في دولة ذات موقع جغرافي وسياسي كمصر، تتجاوز قيمة هذه المشروعات بعدها الاقتصادي المباشر؛ فالموانئ جزء من الأمن التجاري، والطاقة من الأمن القومي، وشبكات النقل من تكامل السوق، والبنية الرقمية من مقومات السيادة والتنافسية. لذا، فإن بناء البنية التحتية هو استثمار في القوة الشاملة للدولة.
لكن امتلاك الأصول لا يعني بالضرورة امتلاك القوة الاقتصادية. تظهر القيمة الحقيقية للطريق عندما يخفض تكلفة النقل ويزيد النشاط التجاري، وقيمة الميناء عندما يتحول إلى مركز للتجارة والخدمات اللوجستية، وقيمة الطاقة عندما تدعم الصناعة والإنتاج والتصدير. هنا ينتقل التحدي من بناء القدرة إلى تشغيلها، ومن تراكم الأصول إلى تعظيم عوائدها. ينبغي أن تكون هذه هي الأولوية الاستراتيجية للمرحلة المقبلة؛ فمصر تحتاج إلى استثمار أكثر ارتباطًا بالإنتاج، وتحويل البنية التحتية المنجزة إلى مصانع وفرص عمل وصادرات وإيرادات ونمو قادر على تمويل جزء متزايد من احتياجاته بنفسه.
لقد دفع المواطن المصري ثمن أزمات عالمية لم يكن طرفًا فيها، بدءًا من جائحة كورونا وما أحدثته من اضطراب في الإنتاج والتجارة والسياحة وسلاسل الإمداد، مرورًا بالحرب الروسية ـ الأوكرانية وما فرضته من ارتفاعات في أسعار الغذاء والطاقة والتمويل، وصولًا إلى المخاطر الجديدة التي تفرضها الحرب الأميركية ـ الإيرانية على المنطقة وأسواق الطاقة والتجارة وحركة الملاحة. وبينما لا يملك المواطن تأثيرًا في هذه الأزمات، فإنه يتحمل جانبًا من تكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، مما يفسر القلق من فرض تداعيات الحرب الجديدة أعباء إضافية في المستقبل. من هنا، تصبح القدرة على امتصاص الصدمات الخارجية هدفًا استراتيجيًا بحد ذاته.
إن زيادة الإنتاج المحلي، وتعميق التصنيع، وتنمية الصادرات، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير السياحة والخدمات اللوجستية والاقتصاد الرقمي، ليست مجرد سياسات للنمو، بل هي أدوات لتقليص تعرض المواطن لتقلبات الخارج. لكن هذه الضرورة الاستراتيجية لا تلغي حقيقة أساسية: الأجيال التي تبني المستقبل تعيش في الحاضر. والمواطن لا يقيس التنمية فقط بما تملكه الدولة من طرق وموانئ ومدن، بل بما يستطيع أن يشتريه بدخله، وبقدرته على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والصحة والنقل. لذلك، فإن الاستقرار الاجتماعي ليس نتيجة جانبية للنمو، بل هو أحد شروط الأمن والاستدامة.
تبرز هنا قضية الدين العام والمالية العامة كجزء من المعادلة الاستراتيجية. الاقتراض ليس سلبيًا بذاته إذا موّل أصولًا منتجة تولّد عائدًا يفوق تكلفة التمويل. لكن استدامة التنمية تتطلب التمييز بين الدين الذي يبني قدرة جديدة على السداد والدين الذي يموّل أعباء لا تولّد قيمة مضافة. فالعدالة بين الأجيال تعني أن نترك للأبناء أصولًا منتجة، لا أصولًا جيدة التمويل لكنها محمّلة بالتزامات يصعب تحملها. كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى بيئة أعمال أكثر استقرارًا ووضوحًا وتنافسية، لأن رأس المال يحتاج قبل الحوافز إلى القدرة على التنبؤ واستقرار القواعد.
يجب أن تنتقل حماية المواطن من آثار الإصلاح تدريجيًا من الدعم العام واسع التكلفة إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا، تربط الحماية بزيادة فرص العمل والدخل والإنتاجية، وتمنح الفئات الأكثر تعرضًا للصدمات قدرة أكبر على عبور مراحل التحول. كان بناء القدرة ضرورة فرضتها تحديات الداخل وتحولات الإقليم والعالم، أما التحدي الآن فهو تحويل هذه القدرة إلى عائد مستدام. المعيار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون حجم ما تبنيه مصر فقط، بل قدرتها على تحويل ما بنته إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل وإيرادات، وعلى حماية المواطن من تكلفة الأزمات، وحماية الأجيال المقبلة من تكلفة الحاضر. هنا تكمن المعادلة الاستراتيجية الأهم: أن تبني مصر للمستقبل من دون أن ترهن الحاضر، وأن تحمي الحاضر من دون أن تستهلك المستقبل.
سياسة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد