لبنان
اقتصاد

أوروبا تشن حرباً اقتصادية شاملة على البلاستيك ونفاياته: قيود صارمة وتغييرات جذرية في صناعة التغليف

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٢ م0 مشاهدة
أوروبا تشن حرباً اقتصادية شاملة على البلاستيك ونفاياته: قيود صارمة وتغييرات جذرية في صناعة التغليف

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حرب أوروبية اقتصادية شعواء على البلاستيك ونفاياته" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تشن أوروبا حرباً اقتصادية شاملة على البلاستيك ونفاياته، حيث دخلت القيود على مواد PFAS، المعروفة بـ«المواد الكيميائية الأبدية»، في العبوات الملامسة للأغذية حيز التطبيق الفوري، مما يلزم الشركات بالتحول إلى بدائل أكثر أماناً. تشمل هذه القيود منتجات يومية مثل علب البيتزا، وعبوات الوجبات الجاهزة، وأغلفة الوجبات السريعة، وأكياس الفشار، في خطوة تعكس تشديد أوروبا في تنظيم صناعة التغليف.

في العاشر من آب/أغسطس الجاري، دخلت أوروبا مرحلة جديدة في معركتها مع نفايات التغليف والبلاستيك، مع بدء التطبيق العام للائحة التغليف ونفايات التغليف الأوروبية (PPWR) في 12 آب/أغسطس 2026. هذه اللائحة تضع قواعد جديدة تعيد تشكيل صناعة التغليف بأكملها، بدءاً من التصميم والتصنيع وصولاً إلى الاستخدام وإعادة التدوير والتخلص.

ستدخل أحكام أخرى حيز التنفيذ تدريجياً حتى عام 2030 وما بعده، مما يمنح قطاعات الأغذية والتجزئة والتغليف فترة انتقالية لإعادة تصميم منتجاتها وسلاسل توريدها. اللائحة الأوروبية رقم 2025/40، التي دخلت حيز التنفيذ في 11 شباط/فبراير 2025، تحل محل الإطار الأوروبي السابق وتوحد القواعد التي كانت موزعة بين تشريعات أوروبية ووطنية مختلفة. تشمل اللائحة جميع أنواع التغليف ونفاياته، وتفرض متطلبات تتعلق بالتصنيع، والتركيب، وإعادة الاستخدام، وإمكانية الاسترداد، وإدارة النفايات والوقاية منها.

تستهدف المفوضية الأوروبية تقليص استهلاك المواد الأولية، وزيادة استخدام المواد المعاد تدويرها، وجعل التغليف المطروح في السوق الأوروبية قابلاً لإعادة التدوير اقتصادياً بحلول عام 2030. في عام 2023، أنتج الاتحاد الأوروبي 79.7 مليون طن من نفايات التغليف، بمعدل 177.8 كيلوغراماً للفرد، شكل البلاستيك منها 19.8%، وبلغ نصيب الفرد من نفايات التغليف البلاستيكية 35.3 كيلوغراماً، أُعيد تدوير 14.8 كيلوغراماً منها.

تهدف الدول الأعضاء إلى خفض النفايات بنسبة 5% بحلول عام 2030، و10% بحلول عام 2035، و15% بحلول عام 2040. لا تقتصر القواعد على النفايات الناتجة، بل تلزم الشركات أيضاً بتقليص وزن وحجم التغليف إلى الحد الأدنى، مع فرض قيود على المساحات الفارغة غير الضرورية، خصوصاً في التغليف الجماعي وتغليف النقل والتجارة الإلكترونية.

تأتي هذه الإجراءات في ظل ارتفاع مستمر في حجم النفايات، حيث زادت نفايات التغليف في الاتحاد الأوروبي بنحو 20% خلال عقد، وبلغ نصيب الفرد من نفايات البلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري نحو 35.5 كيلوغراماً. وتشير الاتجاهات الحالية إلى أن نفايات التغليف قد ترتفع بنحو 19% بحلول عام 2030، فيما قد تقفز نفايات التغليف البلاستيكية بما يصل إلى 46% دون إجراءات إضافية.

«المواد الكيميائية الأبدية» داخلت دائرة القيود: من أكثر الإجراءات إلحاحاً بالنسبة لقطاع الأغذية القيود الجديدة على PFAS، وهي مجموعة واسعة من المواد الكيميائية شديدة الثبات في البيئة، استُخدمت في التغليف لمقاومتها للماء والدهون والحرارة. لا يجوز طرح عبوات ملامسة للأغذية في السوق الأوروبية إذا تجاوزت تركيزات PFAS الحدود المحددة في اللائحة. تشمل الاستخدامات المتأثرة عبوات الوجبات الجاهزة، وأغلفة الوجبات السريعة، وأكياس الفشار المعدة للميكروويف، وورق المخابز، وعلب البيتزا، وغيرها. الهدف هو الحد من استخدام مواد شديدة المقاومة للتحلل والتي يمكن أن تتراكم في البيئة. أما العبوات التي وُضعت في السوق قبل بدء تطبيق القيود، فيمكن أن تبقى فيها ولا يتعين سحبها.

من يتحمل الخسائر... ومن يجني الأرباح؟ الخاسرون هم شركات الأغذية والسلع الاستهلاكية والتجزئة نتيجة ارتفاع تكاليف إعادة تصميم العبوات والامتثال والبحث عن مواد بديلة. الرابحون هم شركات إعادة التدوير والمواد البديلة وتقنيات التغليف المستدام وإدارة النفايات، مع توقع زيادة الطلب على منتجاتها وخدماتها.

البلاستيك المعاد تدويره يصبح التزاماً: لا تكتفي أوروبا بخفض كمية البلاستيك، بل تستهدف تغيير تركيب العبوة نفسها. ابتداءً من عام 2030، ستفرض اللائحة نسباً دنيا من المحتوى البلاستيكي المعاد تدويره بعد الاستهلاك في أنواع محددة من التغليف. تصل النسب إلى 30% للعبوات الحساسة للتلامس المصنوعة أساساً من PET، و10% للعبوات الحساسة للتلامس المصنوعة من أنواع بلاستيك أخرى، و30% لقوارير المشروبات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، و35% لأنواع أخرى من التغليف البلاستيكي. وترتفع هذه النسب في عام 2040 لتصل في بعض الفئات إلى 50% لعبوات PET الحساسة للتلامس، و65% لقوارير المشروبات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد وبعض فئات التغليف الأخرى. ستتعلق المنافسة في سوق التغليف بكمية البلاستيك المستخدمة ومصدره، مع تزايد الطلب على البلاستيك المعاد تدويره على حساب المواد الخام البكر.

من العبوة الأحادية إلى إعادة الاستخدام: تدفع اللائحة باتجاه تقليص الاعتماد على العبوات أحادية الاستخدام وتشجيع إعادة الاستخدام وإعادة التعبئة، مع أهداف تختلف بحسب نوع العبوة والقطاع. اعتباراً من عام 2030، ستُفرض قيود على أنواع محددة من التغليف البلاستيكي أحادي الاستخدام، بما فيها بعض عبوات الفواكه والخضار الطازجة، وبعض عبوات الأغذية والمشروبات في المقاهي والمطاعم، إضافة إلى بعض العبوات الفردية للصلصات والتوابل والسكر والقشدة. تنتقل أوروبا بذلك من إدارة النفايات بعد إنتاجها إلى محاولة منع إنتاجها من الأساس.

ملصق أوروبي موحد: في عام 2028، سيبدأ تطبيق نظام موحد لوسم العبوات في الاتحاد الأوروبي، يتيح للمستهلك معرفة مكونات العبوة وطريقة فرزها. توحيد الرموز سيسهل عمليات الجمع والفرز وإعادة التدوير والتسميد، ويحد من اختلاف الأنظمة بين الدول الأعضاء.

عبء جديد على الشركات... وفرصة لصناعة جديدة: ستواجه الشركات تكاليف انتقالية مرتبطة بإعادة تصميم العبوات ومراجعة مكوناتها والمواد اللاصقة والطلاءات ومصادر المواد الخام، إلى جانب الحاجة إلى إثبات الامتثال للقواعد الجديدة. توحيد التشريعات الأوروبية قد يوفر في المقابل وضوحاً قانونياً أكبر ويخفف تكاليف الامتثال للشركات العاملة عبر الحدود، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة في التغليف الدائري. تبرز هنا فرص أمام مصنعي العبوات القابلة لإعادة الاستخدام، ومطوري المواد البديلة، وشركات إعادة التدوير، ومشغلي أنظمة الجمع والفرز، ومزودي تقنيات التتبع والامتثال.

أوروبا تعيد تعريف البلاستيك: لا تقوم الاستراتيجية الأوروبية على إلغاء البلاستيك من الاقتصاد، بل على تغيير شروط استخدامه: بلاستيك أقل هدراً، عبوات أصغر، إعادة استخدام أكبر، ونسب أعلى من المواد المعاد تدويرها، مع قيود أشد على المواد الكيميائية المثيرة للقلق. تمثل PPWR أكثر من تشريع بيئي؛ إنها إعادة هندسة لسوق التغليف الأوروبي تمتد من المواد الخام والتصميم والتصنيع إلى التوزيع والاستهلاك وإعادة التدوير. ستتبلور المعركة الكبرى خلال السنوات المقبلة مع اقتراب مواعيد 2028 و2030. من ينجح في الانتقال مبكراً إلى التغليف القابل لإعادة التدوير وإعادة الاستخدام، والاعتماد على المواد المعاد تدويرها والخالية من المواد الكيميائية المقيدة، سيكون في موقع أفضل للمنافسة في السوق الأوروبية خلال العقد المقبل. يبقى السؤال: هل تبقى هذه المعركة محصورة في أوروبا، أم أن تشدّد بروكسل في تنظيم البلاستيك والتغليف سيدفع الدول العربية قريباً إلى تبني قواعد مماثلة؟

شارك الخبر: