لبنان
ثقافة

المؤسسة التعليمية: نموذجٌ للقيم لا مجرد ناقل للمعرفة

النهار٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٣٢ م0 مشاهدة
المؤسسة التعليمية: نموذجٌ للقيم لا مجرد ناقل للمعرفة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عندما تصبح المؤسّسة نفسها تعليماً" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يمكن للوفاء للرسالة التربوية أن يقتصر على مجرد الخطاب، بل يتطلب انسجامًا بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية للمؤسسة. وكما أشارت حنّة آرندت، فإن التربية هي المقياس الحقيقي لصدق حبنا للعالم واستعدادنا لحمايته. لا يقتصر دور المؤسسة التعليمية على نقل المعرفة، بل يتعداه ليحمل رؤية معينة للعالم. لذا، يجب أن تتجاوز دورها كوسيلة تعليمية لتصبح نموذجًا حيًا للتعليم من خلال أخلاقياتها وطريقة عملها، بحيث يختبر التلميذ القيم التي تسعى المؤسسة لغرسها، مما يؤثر بعمق في تكوينه المهني والاجتماعي والوطني.

تكتسب هذه الرؤية التربوية أهميتها وتبرز تحدياتها عند النظر بموضوعية إلى النظام الطائفي اللبناني، الذي أصبح عائقًا أمام التطور، مما يجعل البحث عن سبل تغييره خارج نطاقه أمرًا ضروريًا. يكتسب القطاع التربوي مكانة خاصة في هذا السياق. تكمن المشكلة الأساسية ليس في الآلية الطائفيّة التي كانت تهدف لحماية العيش المشترك، بل في تحولها إلى مبدأ الحفاظ على النظام نفسه. تزداد صعوبة تجاوز هذا الوضع بتورط القادة السياسيين والدينيين في هذا المنطق الطائفي، مما يجعلهم عاجزين عن مساءلة التوازنات التي تقوم عليها سلطتهم.

تُظهر الأحداث المتلاحقة منذ عام 2019 أن النظام لم يعد يحمي العيش المشترك، بل أصبح يحمي نفسه. ما كان يُفترض أن يكون وسيلة لضمان التوازن بين الطوائف، ساهم في تفاقم الحذر والمنطق الطائفي وشلل القرار السياسي والقضائي. هذا الواقع لا يمثل انحرافًا عن الوظيفة الأساسية للنظام فحسب، بل يكشف أيضًا عن نتائج المنطق الطائفي المتفاقم. فالمنظومة التي تركز على الحفاظ على التوازنات الطائفية تعطي الأولوية لإعادة إنتاج هذه التوازنات بدلًا من مساءلتها، مما يوفر لها عناصر استمرارها دون آلية للنقد أو إعادة النظر.

إذا كان تغيير النظام لا يمكن أن يتم من الداخل، فإن شروط هذا التغيير يجب أن تُبنى في فضاءات خارجية. يمكن للتربية أن تكون أحد هذه الفضاءات، شريطة وفائها لرسالتها. فالرسالة التربوية لا تقتصر على نقل المعرفة أو إعادة إنتاج الموروثات، بل تضع التلميذ في صميم العملية التربوية، وتساعده على تنمية تفكيره النقدي واستقلاليته وحواره المسؤول. في السياق الطائفي اللبناني، يتطلب ذلك تمكين التلميذ من اتخاذ مسافة نقدية من المسلمات الطائفية الموروثة، مع الحفاظ على غنى التقليد الديني. يمكن إعادة قراءة قيم الإيمان والإنسانية في ضوء الثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتعزيز شركة وطنية تقوم على الحرية الفردية والتنوع الثقافي والخير العام.

يجب أن يتجلى الوفاء للرسالة التربوية في انسجام بين الخطاب والممارسة. فالمؤسسة التي تدعي التربية على الحرية والمسؤولية والحوار والمواطنة، يجب ألا تعيد إنتاج منطق التسلط أو غياب الشفافية أو الطائفية في طريقة عملها. فحكمتها وأساليب اتخاذ قراراتها وممارساتها وعلاقاتها وطريقة تعاملها مع التنوع، كلها تشكل جزءًا من التربية المتكاملة. تنقل المؤسسة التعليمية القيم ليس فقط بما تعلمه، بل بما تجعله حيًا ومعاشًا. في هذا الانسجام، يمكن للتربية أن تصبح فسحة تحول حقيقي. بوضع التلميذ في الوسط، وتعزيز الروح النقدية والحوار، وإتاحة تجربة ملموسة للمسؤولية والمشاركة واحترام الآخر، تساهم المؤسسة التربوية في توفير الشروط الثقافية والاجتماعية لتجاوز الطائفية والنظام الطائفي تدريجيًا. لا تغير المؤسسة هذا النظام مباشرة، بل تساهم في تكوين مواطنين قادرين على رؤية أنفسهم كجزء من فضاء سياسي واحد والمشاركة في بناء الخير العام، وهو ما يعجز عنه النظام الطائفي.

يمكن للتربية أيضًا أن تساهم في صياغة سردية وطنية مشتركة غير طائفية، تبني

شارك الخبر: