تكنولوجيا الحداد الرقمي: هل تعيد الموتى للحياة أم تؤجل تقبل الفقد؟


هذا الخبر بعنوان ""Grieftech" أو "تكنولوجيا الحداد" تعيد الراحلين رقمياً.. ولكن بأيّ ثمن؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تطرح تقنية "تكنولوجيا الحداد" أو "Grieftech"، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إمكانية إعادة إنشاء نسخ رقمية للأشخاص المتوفين، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الذكريات وعملية تقبل الموت. فهل نستخدم هذه التقنية لحفظ الذكريات أم لإعادة تشكيلها؟ وهل تساعدنا على مواجهة حقيقة الموت أم تمنحنا وسيلة جديدة لتأجيل تقبلها؟
تخيل عالماً لا يعني فيه الموت غياب الشخص تماماً، بل بقاء نسخة رقمية منه يمكن التحدث إليها والتفاعل معها. مع التقدم في الذكاء الاصطناعي، بدأت "تكنولوجيا الحداد" تفتح الباب أمام إعادة إنشاء صور رقمية للأحباء الراحلين، بالاعتماد على صورهم، تسجيلاتهم، وذكرياتهم. هذه التقنية، التي تعد بمنح العائلات وسيلة للاحتفاظ بمن فقدوا، تثير في المقابل أسئلة نفسية وأخلاقية جوهرية: هل تساعد في التعامل مع الفقد أم تعيق تقبل حقيقة الموت؟ وماذا يحدث عندما تبدأ النسخة الرقمية باختلاق ذكريات وعبارات لم يقلها الشخص الراحل أصلاً؟
في تجربة لافتة، قام ويليام هانتر، محرر قسم العلوم والتكنولوجيا في صحيفة ديلي ميل، بإنشاء نسخة رقمية منه بالذكاء الاصطناعي تحسباً لوفاته. لكن رد فعل عائلته لم يكن إيجابياً؛ فقد شعر والداه وإخوته بالنفور منها، ووصفها والده بأنها مخيفة بسبب حركاتها المتقطعة وطريقة حديثها التي تفتقر إلى نبرة صوته المعتادة. كما وصفت شريكته النسخة بأنها غير طبيعية، معتبرة أن حس الفكاهة لديها مصطنع وواضح أنه ناتج من الذكاء الاصطناعي.
لم تقتصر المشكلة على الشكل والصوت، بل امتدت إلى ما هو أبعد. لاحظ هانتر أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تختلق معلومات عند عدم توفر إجابة دقيقة، وهي ظاهرة تُعرف بـ "الهلوسة". في تجربته، بدأت النسخة الرقمية بإطلاق معلومات غريبة وغير صحيحة عن حياته. هذه المعلومات المختلقة قد تكون مزعجة في الظروف العادية، لكنها تصبح أكثر إشكالية عندما يُفترض أن تكون النسخة الرقمية وسيلة لمواساة شخص يعيش الحزن على فقدان قريب.
على الرغم من هذه المخاوف، تتحول تكنولوجيا الحداد أو GriefTech إلى قطاع تجاري جديد، يستثمر في استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء نسخ رقمية من المتوفين، يمكن التفاعل معها عبر المحادثة، الصوت، الصور، أو حتى الواقع الافتراضي. في عام 2017، بعد وفاة والده، استخدم البريطاني جيمس تسجيلات والده لإنشاء روبوت محادثة بالذكاء الاصطناعي قادر على الإجابة عن أسئلة حول حياته وبصوته. وفي عام 2019، حول جيمس هذه الفكرة إلى تطبيق وشركة باسم HereAfterAI، تتيح للمستخدمين إنشاء تجارب رقمية مشابهة لأحبائهم. يرى جيمس أن هذه التقنية لم تلغِ ألم فقدان والده، لكنها منحته وسيلة تفاعلية للاحتفاظ بذكرياته وقصصه بدل أن تتلاشى مع مرور الوقت.
في كوريا الجنوبية، وصلت هذه التكنولوجيا إلى مستوى أكثر تطوراً، مع استخدام الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لإنشاء تجارب تتيح لأفراد العائلة اللقاء بأحبائهم الراحلين. من أبرز الأمثلة قصة جانغ جي سونغ، التي فقدت ابنتها نا-يون. في تجربة مؤثرة، ظهرت الأم أمام نسخة افتراضية من ابنتها، وتمكنت من التحدث معها ومحاولة لمس وجهها. قالت النسخة الافتراضية للأم: "لا تبكي يا أمي"، في لحظة بدت واقعية ومؤثرة، لكن يدي الأم مرت عبر الصورة، لتتذكر أن اللقاء ليس حقيقياً.
تثير هذه التجارب انقساماً بين المتخصصين؛ فبينما يرى بعض المستشارين أنها قد تساعد في التعامل مع الحزن إذا استُخدمت باعتدال، يحذر آخرون من آثارها النفسية وإمكانية تعقيد عملية تقبل الموت. تعتقد شركة DeepBrain AI الكورية الجنوبية أن هذه التقنيات يمكن أن تساهم في تطوير ما تسميه "well dying culture"، من خلال تشجيع الأشخاص على الاستعداد للموت مسبقاً، وتسجيل قصصهم وذكرياتهم وتاريخ عائلاتهم كإرث رقمي للأجيال القادمة.
لطالما تناول الخيال العلمي فكرة إعادة الموتى إلى الحياة، لكن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي جعل هذه الفكرة أقرب إلى الواقع. المشكلة الأساسية تكمن في أن النسخة الرقمية لا تملك وسيلة حقيقية للتحقق من نفسها. الشخص الحي يتغير باستمرار ويمكنه تصحيح ذكرياتنا عنه، أما المتوفى فلا يمكنه ذلك. لذلك، فإن الصورة الرقمية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي ليست الشخص نفسه، بل هي تفسير آلي له مبني على البيانات المتروكة. ومع مرور الوقت، يمكن تعديل هذه النسخة لتناسب احتياجات العائلة أو ما يريدون سماعه. هنا تكمن المفارقة: الموت نهائي، لكن النسخة الرقمية ليست كذلك؛ يمكن أن تتغير وتُحدّث وتُعاد برمجتها، لتصبح تدريجياً أقل شبهاً بالشخص الذي كانت تمثله، وقد تتحول إلى نسخة مثالية أو متخيلة، أسطورة رقمية في أفضل الأحوال، أو صورة بديلة تحل محل الإنسان الحقيقي في أسوئها. ومع ازدياد تطور هذه التقنيات، ستصبح الأسئلة أكثر إلحاحاً: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لحفظ الذكريات، أم نسمح له بإعادة تشكيلها؟ وهل يساعدنا على مواجهة حقيقة الموت، أم يمنحنا طريقة جديدة لتأجيل تقبّلها؟
تكنولوجيا
تكنولوجيا
اقتصاد
تكنولوجيا