لبنان
تكنولوجيا

عمالقة التكنولوجيا وحتمية الذكاء الاصطناعي: هل المستقبل محسوم حقاً؟

النهار٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ م0 مشاهدة
عمالقة التكنولوجيا وحتمية الذكاء الاصطناعي: هل المستقبل محسوم حقاً؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "زوكربيرغ وألتمان وأمودي... لماذا يروّجون لحتمية الذكاء الاصطناعي؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتسابق عدد من أبرز قادة التكنولوجيا في العالم، مثل مارك زوكربيرغ وسام ألتمان وداريو أمودي، على نشر رؤاهم لمستقبل الذكاء الاصطناعي. ورغم اختلاف نصوصهم، يجمعها تصور أساسي مفاده أن الذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة وأن مستقبلًا أكثر اعتمادًا عليه يبدو شبه حتمي. لكن مقالًا في Fast Company يقدم قراءة مختلفة، تشير إلى أن كثرة هذه البيانات تكشف أن شكل المستقبل التكنولوجي لم يُحسم بعد، وأن الشركات والمجتمع لا يزالان يملكان دورًا في تحديد مساره.

تتزايد البيانات والرؤى الطويلة التي ينشرها قادة قطاع التكنولوجيا حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وتشمل نصوص سام ألتمان مثل 'The Intelligence Age' و'The Gentle Singularity'، وداريو أمودي 'Machines of Loving Grace' و'The Adolescence of Technology'، إضافة إلى 'Techno-Optimist Manifesto' لمارك أندريسن، و'Situational Awareness' لليوبولد أشينبرينر، وبيان شركة Palantir المستمد من كتاب رئيسها التنفيذي أليكس كارب. تاريخيًا، ارتبطت البيانات بأشخاص يقفون خارج مراكز القوة ويسعون لتغيير النظام القائم. الوضع مختلف هذه المرة، إذ يدير أصحاب بيانات الذكاء الاصطناعي بعضًا من أغنى المؤسسات وأكثرها نفوذًا، ويمتلكون رؤوس أموال ضخمة ويوظفون آلاف الأشخاص ويتمتعون بوصول مباشر إلى الحكومات.

ينطلق زوكربيرغ في رؤيته من اعتبار الذكاء الفائق أمرًا متوقعًا خلال السنوات القليلة المقبلة، فيما يعتبر أمودي أن ظهور الذكاء الاصطناعي كان على الأرجح حتميًا منذ اختراع الترانزستور، وربما منذ أن تعلم البشر التحكم بالنار، وأن إيقاف التكنولوجيا أو حتى إبطاءها بصورة كبيرة لم يعد خيارًا قابلاً للتطبيق. هذه الحتمية تثير سؤالًا أساسيًا: إذا كان المسار محسومًا بالكامل، فلماذا يحتاج قادة التكنولوجيا إلى كتابة بيانات طويلة لإقناع الآخرين به؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب التمييز بين نوعين مختلفين: 'الحتمية الضعيفة' و'الحتمية القوية'. تعني الحتمية الضعيفة أن الذكاء الاصطناعي لن يعود إلى الوراء، لأن الإمكانات الموجودة والمعرفة التقنية والحوافز التجارية المرتبطة به لن تختفي. أما الحتمية القوية فتذهب أبعد من ذلك، إذ تفترض الوصول إلى الذكاء الفائق وبناء بنية تحتية هائلة ونشر التكنولوجيا سريعًا في مختلف أنحاء الاقتصاد. هذا السيناريو لا يعتمد على التطور التقني وحده، بل يتطلب استمرار توفير الرقائق والطاقة والأراضي ورأس المال، إلى جانب البيئة التنظيمية المناسبة، والأهم وجود العملاء المستعدين لاستخدام هذه التكنولوجيا ودفع تكلفتها. جميعها عوامل تتأثر في النهاية بالاختيارات البشرية.

تقدم التكنولوجيا النووية مثالًا واضحًا على الفرق بين وجود تقنية قوية وانتشارها على النطاق الذي توقعه مؤيدوها. فالمعرفة النووية لم تختف، والمفاعلات ما زالت تعمل، فيما جاء انتشارها أقل بكثير من توقعات العقود الماضية نتيجة عوامل اجتماعية وتنظيمية ومخاوف مرتبطة بالمخاطر. في الولايات المتحدة، توقعت هيئة الطاقة الذرية خلال ستينيات القرن الماضي تشغيل أكثر من ألف مفاعل نووي بحلول عام 2000، بينما بلغ العدد الفعلي 96 مفاعلًا حتى مارس. ينطبق المنطق نفسه على الذكاء الاصطناعي: امتلاك تكنولوجيا قوية لا يعني بالضرورة أن المجتمع سيختار نشرها بأقصى سرعة أو على أوسع نطاق ممكن.

إذا لم يكن شكل انتشار الذكاء الاصطناعي محسومًا مسبقًا، فيصبح السؤال متعلقًا بمن يقرر وتيرة هذا الانتشار وحدوده. القرارات التي يمكن أن تؤثر في شكل الاقتصاد وتركيز القوة وسبل عيش مئات الملايين من البشر يفترض أن تمر عبر العمليات الديموقراطية. المؤسسات السياسية لا تتحرك دائمًا بالسرعة نفسها التي تتقدم بها التكنولوجيا، وهو ما يضع قادة الأعمال في موقع مؤثر خلال المرحلة الحالية.

تحتاج مختبرات الذكاء الاصطناعي والشركات المطورة للتكنولوجيا إلى عملاء وشركاء ومؤسسات مستعدة لإعادة تنظيم أعمالها حول منتجاتها. والاستثمارات الضخمة التي تراهن على القطاع تحتاج بدورها إلى نجاح تجاري فعلي، أي إلى شركات مستعدة لشراء التقنيات والخدمات المعروضة. لهذا تمر سرعة توسع الذكاء الاصطناعي عمليًا عبر أقسام المشتريات وميزانيات تكنولوجيا المعلومات وموافقات مجالس الإدارة. قرارات الشركات بشأن ما تشتريه، ومقدار ما تنفقه، وأين تستخدم الذكاء الاصطناعي، تمنح قادة الأعمال تأثيرًا كبيرًا في تحديد المسار الذي ستسلكه التكنولوجيا.

المسألة ليست دعوة إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي. التكنولوجيا أصبحت موجودة، وكثير من تطبيقاتها مفيد بالفعل، وقد يكون التحرك بسرعة ودمجها بعمق داخل بعض المؤسسات القرار الصحيح. النقطة الأساسية أن حجم انتشار الذكاء الاصطناعي وسرعته وشروط استخدامه ليست نتائج محسومة مسبقًا. الإمكانات الكبيرة لهذه التكنولوجيا تجعل طريقة تطبيقها مسؤولية بشرية، بدلاً من التعامل مع المستقبل الذي يرسمه قادة القطاع باعتباره نتيجة لا يمكن تغييرها. وفي الظروف الحالية، يجد قادة الأعمال أنفسهم في الصفوف الأمامية لهذه القرارات، من خلال ما يشترونه وما يمولونه وما يقررون إدخاله إلى مؤسساتهم. ولهذا يبقى مستقبل الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بالخيارات التي يتخذها البشر، لا بالتكنولوجيا وحدها.

شارك الخبر: